السيد محمد تقي المدرسي
289
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
ثالثاً : اللغة العربية هي اللغة المتكاملة التي وَفَّق الله سبحانه العرب لها ، وهناك لغات أقل تكاملًا ، كما أنّ هناك الأطفال أو جديدوا العهد باللغة العربية وهم جميعاً حين يريدون بيان العلاقة بين الحدث وبين فاعله أو مفعوله قد لايتسنّى لهم القيام بعملية الإشتقاق فتراهم يعبِّرون بطريقة بدائية ، مثل القول " الخلق . . الله . . السماوات " وهذا دليل على أنّ عملية الإشتقاق التي هي تكامل لتلك الحالة البدائية ليست خارجة عن هذا الإطار وهو تطوير الكلمة بحيث تتضمّن الإشارة إلى فاعل الحدث . رابعاً : إنَّ مآل القول بأنّ المادة الأصلية للمشتقات هي الحروف المتقطعة التي لا معنى معجمي لها ، مآل هذا القول عند التأمل أنّ المشتقات قد صدرت مباشرة من الحروف الأصلية للألفاظ وليس بعضها من بعض ، وهذه النظرية قد تكون صحيحة من الناحية الفيزيائية ، حيث أنَّ أكثر المخلوقات قد تشكلت من العناصر الأوليّة ، ولكن في باب اللغة حيث يتم تصوّر الحدث أولًا ثم نسبته إلى محيطه من فاعله أو مفعوله أو زمانه ، لا يبدو سليماً ، على أنّ ذوي الإختصاص في علم اللغة وهم النُحاة قد ذهبوا إلى أن اسم المصدر هو الأصل ، وهو الذي يتذوقه الوجدان السليم في اللغة . ثم إنّ الاعتراف بوجود مشتق يجعلنا نبحث عن مبدأ له ، أما إذا قلنا إنّ الحروف هي مبدؤها ، فلا إشتقاق إنما هي مجرّد صياغات لحروف حسب الحاجة ، كما قال ابن جني حيث ذهب إلى : « أنّ هذه اللغة وقعت طبقة واحدة كالرقم تضعه على المرقوم ، لا يحكم لشيء منها بتقدم في الزمان » « 1 » . وكما يقول أبو علي الفارسي : « يجوز أن يكونوا ( أي : العرب ) عند التواضع قدّموا الاسم قبل الفعل ، ويجوز أن يكونوا قدموا الفعل بالوضع قبل الاسم » . « 2 » ويمكن الجمع بين نظريتي النحاة وهؤلاء الأصوليين بأن اسم المصدر هو المبدأ للإشتقاق ، لأنّه يعبِّر عن الحدث ذاته ولكن لا يعني ذلك أن صيغة اسم المصدر وشكله وصورته هو المبدأ ولكن مايعبّر عنه وهو الحدث ، بلا صيغة ، لماذا ؟ لأنّ اسم المصدر مع صيغته يتنافى وصيغة المشتق فإنّ صيغتين ( صورتين وشكلين ) لاتجتمعان على مادة واحدة . وأنّى كان فإنّ الذي يبدو من التأمّل هو : أن المشتق هو إضافة نسبة إلى الحدث ، وبما
--> ( 1 ) - البحث النحوي عند الأصوليين ، ص 96 . ( 2 ) - المصدر ، عن : الخصائص ، 2 / 30 ، 40 .