السيد محمد تقي المدرسي

257

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

أولًا : لماذا الاشتراك ؟ - لا ريب في وجود كلمات مشتركة المعاني في أكثر لغات العالم ، ولأسباب شتّى : ألف : إختفى الجامع فبان مشتركاً لفظيّاً إنَّ وضع الكلمات للمعاني تم بصورة تدريجية وربما لآلاف السنين ، وكانت اللغات توضع بلحاظٍ مُعيَّن ومعنى واحد يجمع شتات المصاديق ، حتى أنَّ كلمة واحدة دلت على معاني شتى بذلك اللحاظ ولذلك المعنى الجامع ، وربما نسي الناس مع الأيام ذلك اللحاظ وذلك المعنى وبقيت الكلمة كأنّها تدل على معاني مختلفة بالاشتراك اللفظي . وهكذا يبدو أنَّ الكثير من المشتركات اللفظية كانت في الأصل مشتركات معنوية ( أي تعود معانيها إلى معنى واحد مشترك فيها جميعاً ) . وهنا نضرب مثلا لمُشْتَرك معنوي : حروف ( ج . ن . ن ) تدل في الأصل على الخفاء ، فإذا بالليل ( يجنّ ) فَيُخفي بظلامه الأشياء ، وإذا بالأشجار ( تجنّ ) الأرض ونسمي تلك الأرض ( جَنّة ) ، وإذا بالأرواح تختفي فَتُسمّى ب ( الجنّ ) ، وإذا بالعقل يختفي عن شخص فيُقال له : ( مجنون ) وهكذا . فإذا جهل الناس هذا المعنى الواحد المشترك واستخدموا الأصل الواحد في معاني شتى سُمّيَ بالمشترَك اللفظي ، ويبدو أنَّ هذا حصل في حروف ( ع . ي . ن ) فإننا نستخدم مفرداتها في الشيء البارز من بين الأشياء أو المُبْرِز للأشياء . ف - ( عين ) الماء بارزة في البادية ، و ( عين ) الشمس بارزة في السماء ومُبْرِزة للأشياء ، و ( العين ) المبصِرة في الوجه بارزة ، و ( أعيان ) المجتمع بارزون بين الناس ، أما الجواسيس فهم ( عيون ) أصحابهم لأنهم يُبرزون لهم الخفايا ، وهكذا . وهذا سبب رئيس للمشترَك اللفظي ، وهناك أسباب أخرى ذكرها علماء الألسنية .