السيد محمد تقي المدرسي

214

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) « 1 » إلى آخر الآية الرابعة من السورة . وكذلك اهتم الفقهاء بظروف صدور الروايات والسياق الاجتماعي أو السياسي الذي رافقها ، خصوصا عند تعارضها واختلافها . 4 - السياق الثقافي والعلمي إنَّ الكلمات التي يطلقها علماء كلّ فن إنّما يقصدون بها ما يتناسب وذلك الفن . فالصرف مثلا عند علماء اللغة حيث يتحدثون عن تصريف الكلمات يختلف عنه عند أرباب البورصة وخبراء البنوك ، كما يختلف عند علماء البيئة والري حيث يبحثون عن صرف المياه . كذلك ترى السياسيين والإعلاميين يختار كل منهم الكلمات حسب سياقه الثقافي ، فإذا كان دخول البلاد عنوةً " فتحاً " عند البعض ، فإنّه " إحتلالٌ " عند البعض الآخر . وإذا كان مواجهة المحتل " جهاداً ومقاومة " عند هؤلاء فإنّه " إرهاب " عند أولئك ، وهكذا . من هنا اكتسبت بعض الكلمات ظلالها الثقافية ، فمثلا كلمة ( الله ) عند المسلمين هي التعبير عن اسم الجلالة ، وهي إذا ذُكِرت في لغة أجنبية فإنها ترمز إلى عقيدة المسلمين في الرب . كذلك إذا استُخدِمت كلمة ( الجهاد ) فإنّها تدل - إذا ذُكِرت عندهم - على القتال في ثقافة المسلمين . لذلك كان علينا دراسة السياق الثقافي للنصّ حتى نفهم معاني كلماته بدقة كافية ، ومن هنا فلا يمكن أن نتحدث عن ثقافة إلّا بلغتها ، أمّا إذا عبّرنا عنها بلغة غيرها فإنّ خللًا كبيراً سوف نواجهه في فهم الثقافة . ويمكن أنْ نُلحق بالسياق الثقافي السياق اللغوي ، حيث اتجه بعض علماء اللسانيّات إليه وسماه ب - ( التساوق ) ومعناه أنْ نتعرف على معاني الكلمات التي تحيط بالكلمة ونختار حسب تلك المعاني أقرب المعاني إليها ، مثلا كلمة المنصهر تتساوق وتتناغم مع كلمة الحديد ولاتتساوق مع كلمة الخشب « 2 » . والواقع إنّ هذا السياق قريب من السياق الثقافي بل هو منهج علمي للوصول إليه .

--> ( 1 ) - المجادلة ، 1 . ( 2 ) - للتفصيل أنظر : مبادئ اللسانيّات ، ص 300 .