السيد محمد تقي المدرسي

210

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

ألف : دراسة المعنى أمّا حقيقة الدلالة فهي علاقة بين اللفظ والمعنى بحيث يكون أحدهما مذكِّراً بالثاني ، فإذا قلتَ : ( الماء ) خَطَر ببالك السائل الموجود في البحار ، كما إذا رأيتَ ما فيها تذكّرتَ كلمة ( الماء ) . أمّا كيف تحدث هذه العلاقة التي نسميها بالعلامة ؟ فقد صاغ دوسوسير نظرية سمّاها ( العلامة اللغوية ) حيث جعل العلامة ذات واجهتين : الأولى ذهنية مجرّدة عبارة عن صورة سمعية تستدعي تصوّراً ذهنياً ، الثانية حسّية وهي الشيء المقصود ( المدلول ) والأصوات التي تدل عليه « 1 » . ذلك إنَّ التصور على درجة عالية من التجريد ، وهو الانطباع العقلي الناشئ من نطقنا لمجموعة من الأصوات ، أمّا الصورة السمعيّة فليست الكلمة المنطوقة فعلا بل هي الأثر النفسي المتشكل نتيجة النطق الفيزيائي المتكرر . وهكذا يتكوَّن من خلال سماع كلمة معيَّنة رمزٌ يستوعبه المخ ويستدعيه كلّما سمع صاحبه تلك الكلمة بأذنه أو قرأها بعينه أو أحسّها ببعض جوارحه ، وهذا الرمز هو الذي يعكس تلك العلاقة بين الدال والمدلول ، أي بين الصوت الذي يقرع السمع أو الصورة التي تبصرها العين أو ما يتحسّس به البشر . ولكن يا تُرى كيف تتكوَّن هذه العلاقة بين الدال والمدلول ؟ وبتعبير آخر : كيف يصبح اسم معيّن رمزاً لشخص أو علامة مشيرة إليه ؟ أو قل إثارةً تستدعي استجابة معيّنة ؟ والجواب يختلف ، فالبعض يرى أنه علاقة طبيعية ، ولكنّ المعروف بين الفلاسفة واللغويين قديماً وحديثاً أن تلك العلاقة تواضعيّة شبيهة بعقد اجتماعي قد يتكون من خلال تصريح من واضع اللغة ، كما إذا سمَّت بلديّة مدينةٍ معيّنةٍ أسماء الشوارع فيها ، كما يضع الآباء لأبنائهم أسماءً معينة ، وقد يتكوَّن من خلال تكرار الربط كأسماء الأصوات . يقول البعض : « إنّ العلاقة التي تربط بين الدال والمدلول ليست إعتباطيّة إلّا في حدّها الأدنى ، أي في درجتها الأولى ، حيث يتم الربط بين الدال ( الأصوات ) والمدلول ( المعنى ) إبتداءً ، إذ

--> ( 1 ) - أنظر : المصدر ، ص 287 .