السيد محمد تقي المدرسي
195
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
وبالتدبّر أكثر فأكثر في اللغة نجد أن الأصل فيها الأسماء ، وهي ألفاظ تدل على معانٍ ، وهي متنوّعة ، فقد يكون المعنى بشراً أو شجراً أو حجراً أو أيّ شيء ثابت ، وقد يكون المعنى ظاهرة أو حدثاً ، مثل البرق والرعد ، والحرّ والبرد ، والموت والحياة ، ومن ذلك المعاني التي تدل على أفعال البشر وحالاته مثل القيام والجلوس والنوم واليقظة والإحسان ، وهكذا المعاني التي تدل على صفات معيّنة مثل الألوان في الطبيعة والأخلاق عند الإنسان . وهذه المعاني بحاجة إلى روابط تبيّن النسبة بينها ، وقد استحدثت اللغات المختلفة ألفاظاً للتعبير عن الروابط . مثلا ( في ) لفظٌ يدلّ على معنى الظرفية ، وهو يعبِّر عن العلاقة بين الشجرة والبستان في قولنا : ( الشجرة في البستان ) وهذا ما يُسمّى بالمعنى الحرفي . الفعل بين الحدث والنسبة ولأنَّ النِّسَب ( الروابط ) كثيرة ومتنوعة جداً فإنّ اللغات اختصرت في أحيان كثيرة المعاني الحرفية في ذات الكلمة ، وهنا تكوَّنت المعاني الفعلية ، حيث أنّ الأفعال ( مثل : قام ) هي معانٍ اسمية محتوية على معانٍ حرفية ، أي على النسبة ، فكلمة ( قام ) متركب من معنيين ؛ الأول : معنى اسمي هو التعبير عن القيام ، الثاني : معنى حرفي هو التعبير عن نسبة القيام إلى شخص معيَّن وهو جعفر في قولنا : ( قام جعفر ) . ألا ترى أنّه لو لم يكن هناك هذا المعنى الحرفي الدال على النسبة لقلنا - مثلا - قيام جعفر ، لكان الكلام ناقصا ، وهكذا عَرَّف الدكتور قَدّور الفعل بما يلي : « وهو كلمة تدل على حَدَثٍ وزَمَنٍ ، فالحدث متأتٌ من إشتراك الفعل مع المصدر الذي هو اسم الحدث في مادة واحدة ، أمّا الزمن فإنه ناتج من شكل الصيغة الخاصّة بالأفعال . » « 1 » ويمكن تسمية هذا المعنى ب - ( المعنى الحرفي ) والذي اصطُلِح عليه في العلوم الحديثة ب - ( المورفيم ) وقد عرَّفه د . قدّور بأنه : صيغة أو عنصر لغويّ يدل على المعاني أو المقولات الصرفيّة والنحويّة . وبديهي أنَّ هذه الوحدة لا صلة لها بالمعجم ، إذ ليست لها دلالة عرفية اجتماعية « 2 » . والمعنى الحرفي ذات أقسام متنوِّعة ، فمثلا من ناحية الحجم قد يكون لفظاً مستقلًا ، ( مثل : حروف الجر ، حروف الظرف ، حروف الترجّي والتمني وما إليها ) وقد يكون جزءاً
--> ( 1 ) - المصدر ، ص 163 . ( 2 ) - المصدر ، ص 148 .