السيد محمد تقي المدرسي

188

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

وبعد تسنّمه الدرجة الرفيعة التي يسلكها الفقيه - بتوفيق الله تعالى له - وبجهاده نفسه وتزكيته لها ، تأتي وسائل التفقّه في الدين وأبرزها : معرفة كلمات الوحي التي لاتضيء إلّا لمن أوتي عيناً بصيرة ، وألقى السمع وهو شهيد . أمّا الكافر فإنَّ الوحي يكون عليه عمىً ، ولا يزيده إلّا طغياناً وكفراً ، وأمّا الفاسق فإنّه يُضلُّ به ضلالًا مبيناً . ولقد أنزل الله كتابه بلسان عربيّ مبين ، ويسَّره للذكر ، وبيَّنه بآيات مبصرات ، وجعل رسوله والأوصياء الحق من بعده عليه وعليهم صلواته ورحمته جعلهم حُجَجاً على خلقه بما بيَّنوه لهم من بصائر الوحي وفسَّروه من آيات الذكر . وَسُبُل معرفة ظاهر كلمات الوحي هي سُبُل معرفة ظاهر سائر كلمات المتحدثين بلسان العرب ، حيث أنَّ الله سبحانه ما أرسل رسولًا إلّا بلسان قومه ، ولكن لأنَّ دلالة اللغة - أيّة لغة - من دون فهم إطار الثقافة العامة لها تبدو ناقصة ، فإنَّ معرفة الوحي لمن لا يفقه ثقافته ومعارفه العامة غير مكتملة . فشل المنطق اليوناني في تفسير الوحي لذلك وقع إختلاف عظيم في معرفة كلمات الوحي ، وحاول الباحثون التعرف على حقائق كلمات الشرع عبر وسائل شتّى ، مثل معرفة المعنى المعجمي للكلمات ( متن اللغة ) وتصاريف الكلمات ( علم الصرف ) وتركيباتها ( علم النحو ) وإشاراتها ( علم البلاغة ) ، ومثل الاستعانة بالمنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية وما فيهما من موازين لضبط الكلمات والدقة في معانيها وفي التحليل العقلي المعتمد عليها . إلا أنّ ذلك لم ينفعهم إلا يسيراً ، والسبب في ذلك يتلخص فيما يأتي : أولًا : إنّ المنطق الأرسطي لم يكن أداة لفهم بصائر الوحي ، لأنّه عجز عن استيعاب الفكر الفلسفي الذي نشأ وترعرع في أجوائه ، حيث رأينا كيف اشتد الخلاف بينهم في أُصول فلسفتهم وفروعها سواءً بسواء ، فلم ينفعهم توافقهم على ذلك المنهج الذي وُضِعَ من أجل منع الاختلاف ، فإذا لم ينفعهم ذلك المنهج في حلِّ الخلاف بينهم ، فكيف ينفعنا ونحن نريد أنْ نفقه الوحي وبصائره والتي تختلف جذريّاً عن غيرها من المعارف البشرية ؟ بل أظن إنَّ التوسّل إلى هذا المنطق زادهم رهقا ، إذ كان همُّ بعضهم يتركز في إيجاد توافق بين مصطلحات المنطق الأرسطي وبين بصائر الوحي ومسلّمات الفكر ، وقد نبذ الغرب