السيد محمد تقي المدرسي
171
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
القسم الثاني : الحقيقة الشرعية - تمهيد لقد أرسل الله الأنبياء بلسان الناس فقال سبحانه : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) « 1 » . وهكذا كانت لغة التفاهم هي اللغة السائدة فيما بينهم ، بما فيها من الأسماء والأفعال والحروف والهيئات والمصطلحات وما إليها . وبالرغم من أنّ الرسالة الإلهية قد جاءت ببصائر جديدة ، إلّا أنَّ من تمام حكمة الله ومن بلاغ حجّته على خلقه أن يبيِّن الرسول تلك البصائر بلسان مبين ، وكانت الرسالة المهيمنة والخاتمة هي الأخرى بلغة عربية واضحة حيث قال سبحانه عن القرآن الكريم : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) « 2 » . وباعتبار أنَّ الشرائع الإلهية نسخت أنظمة الجاهلية وأساطيرها ، فإنها حرَّمت كثيراً مما كانت رائجة عندهم مثل عبادة الأصنام ، والتقرّب إليها بالأضاحي ، والربا ، والزنا ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وسائر الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وحتى عباداتهم التي حفلت بالأباطيل شذَّبتها وطهّرتها مثل الصلاة والحج والصيام ، وهكذا تطوّرت تلك العبادات حتى وكأنها حقائق جديدة ، كما تطوّرت المعاملات بعد تهذيبها من الإثم والفواحش حتى أصبحت مشروعة ، ولكنّ الأسماء ظلت هي هي بعد التطهير والتهذيب .
--> ( 1 ) - إبراهيم ، 4 . ( 2 ) - الشعراء ، 193 - 195 .