السيد محمد تقي المدرسي

154

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

رأي حديث في طبيعة الجملة والرأي الذي اختاره فندريس في اللغة يُعتبر مدخلًا نستطيع أن نتوسع بعده في معرفة مراكز الاهتمام في اللغة ، حيث نجد هناك أكثر من مدرسة فيما يرتبط بتركيب الجمل تحاول التعمّق في أغوار النسبة بين مفردة وأخرى إلى درجة كبيرة ، ويبدو لي أنّ دراسة الجملة على ضوء هذه المدارس لا تخلو عن المنفعة بالنسبة إلى علم الأصول وطلابه بل وأعلامه ، باعتبار أنّ جانباً مهمّاً من هذا العلم متصل بمعرفة دلالة الأدلة ، وباعتبار اهتمام الفقه بالتأمّل في كلمات الشرع وهي الأسمى بلاغة وفصاحة ، فإنّه يلتقط أيّة إشارة بلاغية لتوسيع أفق فهم الأدلة . وفيما يلي نذكر ما يتصل برأي علماء الألسنية في تحليل المسند والمسند إليه ، وهو مايُسمّى عندهم بالاتجاه الوظيفي . « 1 » الاتجاه الوظيفي يربط بين النظام اللغوي وكيفية توظيف هذا النظام لأداء المعاني ، ويتمثّل ذلك في الأمور التالية : " 1 - وجود خيارات متعددة أمام المتكلم ضمن نظام اللغة ، فحين يختار المتكلم نظاماً معيّناً يقدِّم من خلاله ما يريد قوله مع مراعاة ظروف الكلام " . « 2 » وبتعبير آخر : يختار بين فرص التعبير مايتناسب والسياق حسب اهتمامه بالمعلومة الأهم التي يريد توصيلها للمستمع . " 2 - ارتباط اللغة بالمجتمع وعلاقاته الثقافيّة كالتراث والتقاليد والعادات والأعراف ، فالمعطيات الاجتماعية المتنوّعة تفرض على المتكلم سلوكاً لغوياً معيناً ، لأنّ المتكلم يرتبط بالمجتمع إرتباطاً وثيقاً . " « 3 » وهكذا علينا أن ندرس اللغة في إطار الوضع الثقافي للمجتمع ، ومن هنا تجد أنّ الحديث مع الحبيب يختلف عن الحديث مع الصديق ، وهما يختلفان عن خطابٍ إلى الرئيس ، وكلّها تختلف عن الكلام العلمي .

--> ( 1 ) - راجع في تفصيل ذلك : مبادئ اللسانيات ، ص 241 - 250 . ( 2 ) - المصدر ، ص 241 . ( 3 ) - المصدر .