السيد محمد تقي المدرسي
14
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
الطبيعة ونقصد تلك المعلومات التي تنتظم في هذه الأطر ، ولكن لماذا نسميها علماً ؟ بالتأمُّل نعرف : أنّ علوم اللغة ( النحو مثلًا ) هو العلم بقواعد تجعلنا نفهم صلة الكلمات ببعضها وإعرابها ، فالعلم هنا إستُخدِم لمعرفة القواعد باعتبار أنَّ القواعد هي الأخرى تكشف المفردات . لذلك فإنّ المعلومات الفرط التي لاتنتظم في قواعد لاتّسمّى علماً ، فمعرفتك بخبرٍ سياسيٍّ لاتُسمّى بالعلم وانما تُسمّى بمعلومة أو خبر ، ولكن معرفتك بقواعد تسهِّل لك معرفة الأخبار تُسمّى بعلم السياسة ، كذلك معرفتك بإعراب جملة " جاءَ زيدٌ " لاتُسمّى علماً ، وانما معرفتك بتلك القاعدة التي تنتظم مثل هذه الجملة في إطارها هي العلم ، مثلًا قاعدة " الفاعلُ مرفوعٌ " . « 1 » وهكذا يكون مرادنا من إطلاق العلم على المعلومات المنظَّمة في إطار قواعد واضحة إنّما هو باعتبارها معلومات تكشف عن حقائق أخرى . 2 - ما هوالفقه ؟ وأمّا الفقه فهو العلم بشيء بعد تأمّل وتدبّر ، وبالتالي التدرّج من علمٍ ظاهر إلى علم أقل ظهوراً ، مثلًا : العلم بالمتشابه بعد ردّه إلى المحكم ، أو العلم بالمنسوخ بعد معرفة ناسخه ، أوالعلم بالمطلق بعد تحديده بالمقيَّد ، وهكذا . وهكذا قد لاتُسمّى معرفة الأحكام الجزئية ( الفتاوى ) بالفقه ، وإنّما معرفة أصولها ومبانيها ، ومن هنا يكون الفقيه متميّزاً عن العارف بالأحكام الشرعية من دون استنباط . « 2 » ولعلّ الحديث الشريف المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله يشير إلى ذلك حيث يقول : « رُبَّ حامل علم ليس بفقيه ، ورّبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه » . « 3 »
--> ( 1 ) - في اللغات اللاتينية تُضاف إلى موضوعات العلوم كلمة ( لوجي ) والتي تعني المنطق في اللغة اللاتينية أو المنهج ، وهي تعني القواعد المنطقية ( أو المنظمة ) التي تجعلنا نعرف ذلك الموضوع ، فهم يقولون فسيولوجي ( علم وظائف الأعضاء ) سيكلوجي ( علم النفس ) جيولوجي ( علم طبقات الأرض ) وهكذا فإنهم يميزون بين معرفة المفردات ومعرفة القواعد التي تؤدي إليها . ( 2 ) - يقول د . حنفي : « اما الفقه ، إشتقاقا ، أي في أصل الوضع ، فهو العلم والفهم ، واصطلاحاً : العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين » ثم يضرب أمثلة عليها من الوجوب والندب ويضيف : « العلم إذن يتضمن أدلة الأحكام أي مصادرها وطرق الإستدلال بها إجمالا وليس تفصيلًا ، وإلّا كان علم الخلاف ( أي الذي نجده في الكتب الاستدلالية ) الذي يتضمّن الأدلّة تفصيلًا ، ودون تطبيق للعلم في مسائل جزئية ، وإلّا تحوّل إلى علم الفروع » [ عن : من النص إلى الواقع ، ج 2 ، ص 39 ] وهذا مجمل ما عليه علماء العامّة في الأصول . ( 3 ) - دعائم الإسلام ، ج 1 ، ص 80 .