السيد محمد تقي المدرسي
131
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
أنّه لو كان للحرف معنى مستقل ( يسميه بالإخطاري ) كما معنى الاسم لبقيت الجملة بلا رابط ، وإنما معناه إيجاد النسبة ، وفرق كبير بين أنْ نقول أنَّ الحرف لا معنى له أو أنْ نقول معناه إيجاد النسبة . وهكذا فهم السيد جمال الدين كلام المحقق النائيني ، إذ قال : « ولا يُفهم من هذا القول - قول المحقق النائيني - أنّه لا معنى لكلمة ( مِنْ ) أصلا - كما قيل - بل لها معنى ، بدليل أننا ندرك من جملة ( سرتُ من البصرة ) معنى السير ، ومعنى البصرة ، ومعنى ثالثاً ( يربط ) بينهما على نحو يكون السير مبتَدَءاً به والبصرة مبتَدَءاً منه ، ولولا كلمة ( مِنْ ) لما ( وُجِدَ ) هذا المعنى الرابط . وكل ما نريد أنْ نقوله هو أنّ معنى ( مِنْ ) لا يُوجَد عندما نسمعها منفردة ، ولكنّه يوجد عندما نستعملها في جملة « 1 » » . مناقشة نظرية المعاني الإيجادية والمناقشة التي تكتمل بها نظرية المعاني الايجادية للحروف تتم : أولا : إنّ المتحدث يتصوّر كل معاني الجملة الخبرية قبل أن يلقيها على المستمع . أي يتصوّر البصرة والكوفة والسير وأيضا النسبة بين هذه المعاني ، إذ النسبة التي يُعبِّر عنها هي في ضمن ما يتصوّره ، ولذلك يُوصَف كلامه مرّة بالصدق عند تطابق النسبة التي يبينها في كلامه مع الواقع الخارجي ، وتارة بالكذب عند عدم التطابق . ثانيا : إنَّ النسبة التي نُعبِّر عنها في كلامنا هي حقيقة قائمة في الواقع ، فإنَّ الحقائق يتّصل بعضها مع بعض ، فإنْ تحدثنا عنها كحقائق نُعبِّر عنها بالأسماء ، وإنْ تحدثنا عن اتصالها ببعضها عَبَّرنا عن ذلك بالحروف أو بهيئات الأفعال ، وبتعبير آخر : ما نجده من عدم استقلالية الحرف ليس بسبب نقص في الكلمة وإنما لأن الحرف يُعبِّر عن نسبة الأشياء ببعضها ، وهذه النسبة غير مستقلة ، وهذا ما بيّناه سابقاً في رأينا عن المعنى الحرفي . والله العالم . ولعلّ المحقق البروجردي قد ذهب إلى مثل هذا الرأي حين فَصَّل القول في هذا المجال بالمثل التالي : ( سرتُ من البصرة إلى الكوفة ) حيث ذهب إلى وجود أربعة حقائق في الخارج هي :
--> ( 1 ) - البحث النحوي عند الأصوليين ، ص 224 .