السيد محمد تقي المدرسي
128
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
كل حال ، وقد تكون ثابتة في حالٍ معيّن فلا يصح استعمال اللفظ في المعنى إلا في ذلك الحال دون غيره من الأحوال . فالفرق بين الأسماء والحروف أنَّ الأسماء وُضِعت للمعاني ولكن قُيِّدَت العُلقة الوضعية - بمعنى قُيِّد حصولها - بين الاسم والمعنى في حال اللحاظ الاستقلالي فلا تحصل إلّا في هذا الحال ، فمع اللحاظ الآلي لا عُلقة بين الاسم والمعنى فلا يصح الاستعمال . والحروف وُضِعَت لمعانيها ولكن قُيِّد حصول العُلقة بينهما في حال اللحاظ الآلي فلا تحصل إلّا في هذا الحال ، فمع اللحاظ الاستقلالي لا عُلقة بين الحروف والمعنى فلا يصح الاستعمال ، فالموضوع له في كل من الحروف والأسماء واحد إلّا أنَّ العُلقة بينه وبين الحرف في حال وبينه وبين الاسم في حال آخر » . « 1 » وقد فَسَّر بعضهم رأي المحقق الخراساني عند بيان الفرق بين الحرف والاسم بما يلي : إنّ الواضع قد شرط بألّا يُستخدم الحرف إستقلاليّاً . وقد أثار هذا التفسير جملة ملاحظات ، والذي ينبغي أن يُقال في هذا الحقل : بما أنّ وضع اللغات ظاهرة اجتماعية ترجع إلى تباين الناس فيما بينهم في كيفية تبادل المعلومات مما يجعله شبه تعاهد وميثاق - حسبما سبق شرحه - فإنَّ إشتراط الواضع - حيث يكون شخصاً أو مجموعة أشخاص أو حتى عرف الناس - ذات أهمية ، لأنه بيان لكيفيّة التفاهم ويدخل ضمن الميثاق الاجتماعي ، وهكذا حيث رأى الناس ثقل الكلمات الاسميّة في بيان معاني النسبة ، أي الصلة الرابطة بين الحقائق والحوادث بعضها مع بعض ، إستحدثوا الحروف والهيئات لهذه المهمة واشترطوا استعمالها حينها ، كما اشترطوا استخدام سائر الكلمات في معانيها المحددة . ثم إنَّ التعبير بالاستقلالي والآلي ليس دقيقاً في بيان حقيقة الحرف ، إذ قد يكون معنىً حرفي ذات أهمية عند بيان الجملة ، كما قد يكون معنىً أسمي غير ذات أهمية . . وهكذا نُفضِّل التعبير بأنَّ الحرف يُعبِّر عن النسبة وهي غير مستقلّة . وقد أثار بعضهم مناقشة حول أنّ اللحاظ الآلي والاستقلالي إنما هو من شؤون الاستعمال والذي يكون بعد الوضع ، فكيف يدخل ضمن شروط الوضع . وهذه مناقشة غريبة ، إذ أنَّ المستعمِل للكلمات إنّما يستفيد منها لبيان مقاصده ، والمفروض أنْ يحدِّد الواضع تلك المقاصد قبل وضعه الكلمات ، وهكذا تسبق حاجةُ المستعمِل إلى البيان ، تسبق
--> ( 1 ) - منتقى الأصول ، ج 1 ، ص 90 - 91 .