السيد محمد تقي المدرسي

113

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

باء : الدلالة على المصداق . وهذا القول الذي تبنّاه بعض خبراء الألسنيّة يتنافى وقولهم بأنّ اللغة تطور لنظام الإشارة حسبما نقلنا عنهم . حيث أن الإشارة ( المؤشِّر ) لا علاقة لها بالمفاهيم بل بالمصاديق ، ألا ترى أنك حين تشير إلى شيء فإنما تشير إلى حقيقة خارجية ، فإذا أشرتَ إلى القمر فهل تشير إلى صورته في ذهن الناس أم إلى حقيقته وكذلك اللغة . وإذا سألتَ أحداً : ماذا تعني بالسماء والأرض والجبال والأحياء ؟ فإنه لا يتردد أن يشير إلى تلك الحقائق في الخارج ، بلى إنّ أسماء هذه الحقائق تتداعى وصورها الذهنية بل وتجارب كل شخص معها ، فربما يقول أحد : ( تسلّقتُ الجبل ) وشخص يسمعه كان قد سقط يوماً عند التسلق فيتذكر سقوطه . ولكن لا يعني ذلك إن اسم الجبل اسم للسقوط منه بمجرد تداعي هذا المعنى في ذهن هذا الشخص . وما قاله المحقق الروحاني ( قده ) حين ذكر أنَّ الهدف من اللغة انتقال صورة الأشياء إلى الذهن ليس بصحيح ، إذ أنّ الحقيقة هي العكس ، إذ الهدف هو انتقال العلم إلى الحقائق ، وهذا هو مبنى المحقق الميرزا مهدي الاصفهاني ( قده ) في الوضع ، حيث أشار - حسب تقريرات درسه المخطوطة - إلى ذلك بقوله : « إنّ الوضع من الأمور العامة الدائرة عند كل عاقل ، وهو عبارة عن جعل اللفظ سمةً وعلامةً للأمر الخارجي والمعنى ، المقصود والمفهوم هي نفس الخارجيات أو ما يكتسبه العلم بلا معلوم ، كمعنى العدم والنفي ، فإنّ سائر الألفاظ معناها والمقصود منها نفس الواقعيات الخارجية لبطلان تعدّد النشآت ، فالعلم مفهومه ومعناه نفس المعرِّف لنفسه ، وكذلك العقل وغيره مما يعلم ويفهم ليس إلا عين الخارج . « 1 » » الوضع بين العام والخاص بماذا يحيط علم البشر ؟ أوليس بالحقائق الخارجية ؟ وتلك الحقائق هل هي مفردات أم كليات ؟ الجواب : إنّ العلم يقع في البدء عادة على المفردات الجزئية ثم لا يزال يتوسّع ويلغي الحدود والقيود حتى يصل إلى الكلي أو العام .

--> ( 1 ) - مباحث الألفاظ ، تقريرات درس الميرزا ، ( مخطوط ) ص 61 .