السيد محمد تقي المدرسي

110

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

تحققها ثم يبحثونها إثباتا أي في وقوعها . ولي في ذلك ملاحظة وهي : أنَّ علينا أنْ نتحدث أبداً عن واقع الألفاظ وعمّا وُضِعَت له ، فإذا علمنا تحقق واقع معين مثل ( وضع الحروف بطريقة مختلفة عن وضع الأسماء ) فلا حاجة إلى بحث إمكانية ذلك ، لأنّ أبلغ شاهد على إمكانية شيء ، وقوعه حتى ولو لم نعلم كيفية ذلك ، وإنْ لم نعلم بوقوعه فالبحث إذاً فيه لغو . ويبدو لي أنَّ وضع الحروف مختلف تماماً عن وضع الأسماء لأنّ دورها مختلف عن الأسماء . 1 - مراحل الوضع « 1 » ولكي نفقه طبيعة وضع الكلمات والحروف وما أشبه لابدّ أن نفهم مراحل وضع الكلمات ، وذلك عبر إستنطاق تجاربنا اليومية في التعبير عما يجول في خاطرنا وأيضا عبر الدراسات اللغوية والألسنية . الوضع - في أيّة لغة - يمر عادة عبر مراحل تتكامل حتى يصبح أداة مناسبة للتفاهم والتواصل : 1 - في البداية ، وبعد معرفة الانسان شيئاً ، ينعكس في ذهنه ( في دماغه ومخه ) تصوّرٌ معيّن عنه سرعان ما يُبدع له العقل رمزاً معيّناً يحفظه في ذاكرته ، وقد يكون ذلك الشيء عبقاً ، أو نبرةً ، أو لوناً ، أوصورةً ، أو حجماً وثقلًا ، أو حتى حسّاً وملمساً . ولا يعرف أهمية هذا الرمز المحفوظ إلا الذين يفقدون الذاكرة والعياذ بالله كالمبتلى بمرض الزايمر . فهذا الرمز ليس إلا بسيطاً جداً يشبه رموز الكمبيوتر ، ولعله هو الذي تَعرَّف عليه الفلاسفة قديما وزعموا أنّه العلم ، وزعموا أنّه بسيط للغاية ، ولكنه ليس - عندنا - هو العلم ، لأنَّ علم الانسان يحيط بهذه الرموز أيضاً ويحركها كيف يشاء . ويبدو أنَّ هذا الرمز هو الذي أشار اليه ( دوسوسير ) بقوله : " إنَّ التصور على درجة عالية من التجريد ، وهو الانطباع العقلي الناشئ من نطقنا لمجموعة من الأصوات « 2 » " . ويتعامل الذهن البشري مع هذه الرموز عندما يتذكر شيئا ، أو يفكر في قضيّة حيث

--> ( 1 ) - قد يجد الدارس نوعاً من التداخل بل والتكرار بين هذا البحث والبحث السابق ، وكان الأمر ضرورياً إستمراراً للسياق . ( 2 ) - مبادئ اللسانيات ، ص 288 .