السيد محمد تقي المدرسي

43

فقه الدستور وأحكام الدولة الإسلامية

احتجب عن الناس لا يعرف ما يجري . ثم يؤكد ذلك بأن الحق ليس واضحاً تماماً فليس دائما عليه شواهد واضحة . أما ثالثاً فإن الوالي أو أي حاكم لا يخلو من حالتين اثنتين : فإما سخي يقضي حوائج الناس فَلِم يحتجب عنهم ؟ وإما بخيل فإن الناس يتفرقون عنه فور ما ييأسون من تفاعله معهم . علماً بأن أكثر حاجات الناس البسيطة لامؤونة فيها عليه ، مثل الشكاية عنده من مظلمة أو طلب إنصاف في حاجة . يقول الإمام ( عليه السلام ) : وَأَمَّا بَعْدُ ، فَلا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ ، وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالأُمُور ؛ وَالِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ . وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ « 1 » تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ : إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ « 2 » فِي الْحَقِّ ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ ، أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ ، أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا « 3 » مِنْ بَذْلِكَ ! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لا مَئُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ ، مِنْ شَكَاةِ « 4 » مَظْلِمَةٍ ، أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ .

--> ( 1 ) - سمات : جمع سمة - بكسر ففتح - : وهي العلامة . ( 2 ) - البذل : العطاء . ( 3 ) - أيِسُوا : قنطوا ويئِسوا . ( 4 ) - شكاة - بالفتح - : شكاية .