السيد محمد تقي المدرسي

99

في رحاب القرآن

الدنيا تحوي فريقين فريق الجنة وفريق النار . ولكن هل أن الله سبحانه وتعالى خلق الفريق الأول ، وكتب له دخول الجنة منذ اليوم الأول ؟ وهل الأمر كذلك بالنسبة لأصحاب النار ؟ الجواب ليس إلا النفي القاطع إذ أن الدنيا عبارة عن خليط من النور والنار ، ومن الخير والشر ، ومن الفضيلة والرذيلة ، وما على ابن آدم سوى الاختيار والانتخاب . ففي بداية الحياة حيث يختلط الهوى بالعقل ، والجهل بالعلم ، والشهوة بالإرادة ، لا يعرف الإنسان كيف ينتخب . ولكن هذه المعاذير تسقط بمرور الزمن ، وبتقدم الإنسان في العمر ، فلا يعذر بحال من الأحوال أن يبقى جاهلًا أو متردّداً ، بل لا مناص له من انتخاب أحد الطريقين . فمن اختار طريق الجنة اضطر إلى أن يسعى لها سعيها ، فأصبح مؤمناً صالحاً ، فيكتب الله له السعادة الأبدية . ومن اختار الطريق الآخر وأعرض عن طريق الجنة ، خلد إلى الهاوية . إن الجنة بحاجة إلى سعي حثيث وجهد متواصل ، أما النار فيكفي للسقوط فيها مجرد استرسال المرء في شهواته . إذن ؛ فالناس هنا في هذه الحياة الدنيا يكتبون على أنفسهم أحد المصيرين ، وربنا سبحانه وتعالى يبين هذه الحقيقة بوضوح بالغ في سورة الإسراء المباركة ، حيث يقول : ( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ) أي أن مَن اختار الدنيا العاجلة بزخارفها ومظاهرها من طعام وشراب ومسكن وزينة وأهواء ( عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) فإن الله يعطيه . ولكن بما يريد هو لا مخلوقه الآثم هذا ، إذ ليس كل من أراد الدنيا حصل عليها بما تمنى .