السيد محمد تقي المدرسي

76

في رحاب القرآن

حينما يصف رسوله الكريم وبعثته الشريفة ، يقول : ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) « 1 » . وهو أيضاً يوسّع الآفاق امام الناس بقوله الكريم ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا ) « 2 » . فالقرآن المجيد الذي يأمرنا بالتحرك في الحياة ؛ فنأكل ونشرب ونسافر وننفق . . . تراه من جهة أخرى ينهانا عن الافراط فيقول : ( وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ) ؛ أي لا يصح ولا يجوز العيش حسب العواطف ، ولا سيما الارتجالية منها ، حيث يخرج المرء من أمواله جميعاً - مثلًا - فينسى حقوق نفسه وأولاده وزوجته وأقاربه . فلا يصح ان يتصرف وكأنه يعيش لهذه اللحظة ، وأن ليس له غدٍ . ان الشرع والعقل يأمران الإنسان بأن يعمل حسب الحاجة بمعنى ضرورة أن تكون تصرفاته مدروسة ومعقولة ، وذلك لتحاشي الوقوع في مطبات الندم ، وتحاشي أن تكون حياته في المستقبل جملة من ردود الفعل المعاكسة . فقضية الأنفاق لابد لها من قيود ، إذ من الخطأ الواضح أن ينجي المرء فقيراً ما بإنفاقه كل أمواله ، فيتحول هو إلى فقير . وإنما يجدر الاعتقاد بأن الله ( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) . فلما كان لزاماً على المؤمن التخلق بأخلاق الله فعليه معرفة ان الرزق بيد الله ، وأنه يرزق من يشاء ، وأنه يمنع على من يشاء ، وأن كل ذلك ضمن خبرة وبصيرة إلهية لاتُجارى .

--> ( 1 ) الأعراف / 157 . ( 2 ) الأعراف / 32 .