السيد محمد تقي المدرسي

63

مقاصد السور في القرآن الكريم

إن هذه السورة المباركة مليئة بالعبر التاريخية ( التي نقرؤها في تفاصيل القصة التي تتضمنها الآيات : من 4 إلى 102 ) التي تكشف اللثام عن خبيئة النفس البشرية بما تمتلك من عقل وإرادة وعلم تجلت عند يوسف ( ع ) ، أو من حسد وكبر وحيلة تجلت في إخوته ، ومن شهوة عارمة وتسلّط وظلم وبطر تجلّت في امرأة العزيز وزوجها ، وإن الله عليم بكل ذلك ، وإنه هو الذي يصرّف الأمور لصالح المؤمنين أخيراً ، وهو الذي ينقذهم من الموبقات بعد أن أخلصوا أنفسهم لله ، فاستخلصهم لنفسه . إن النبي يوسف ( ع ) كان صدِّيقاً أيقن قلبه أن جماله من الله ، وهو الذي أعطاه القوة ومكَّنه في الأرض ، وأن من كفر بأنعم الله لا يفلح ، وبسبب إيمانه الصادق بهذه الحقائق ، فقد أدركه في ساعة المحنة إيمانه ، وبلورت المعاناة شخصيته التي عجنت بروح الإيمان والتقوى ، فظهر له برهان ربه وحجته البالغة في لحظة الصراع الشديدة مع طبيعته ومجتمعه المتمثل في قوة ربة بيته أو محيط السجن أو إغراء الملك أو تعقيدات الإدارة الاقتصادية . وهكذا المؤمنون يتذكرون ربهم كلما تعرضوا لتجربة صعبة ، فيتركون المعصية ويتحدون المصاعب ، بينما يغط غيرهم في غفلة وميوعة . وتنتهي قصة النبي يوسف ( ع ) ، وتبقى عبرتها المتمثلة في طبيعة البشر المعاندة للحق ، فأكثرهم - رغم حرص الرسول وأصحاب الحق - ليسوا بمؤمنين ، ويحسبون الدين خسارة ، بينما هو ذكر ، وتوجيه للعاملين إلى الحق الذي غفلوا عنه ( الآيات : 103 - 104 ) . وكم هي الآيات المنتشرة في السماوات والأرض يمرون عليها دون أن ينتفعوا بها ، بل هم معرضون عنها . إن إيمان أكثرهم مخلوط بالشرك ، وبالتالي فهو ليس بإيمان . ولا يُدرى هل هم قد أخذوا صك الأمان من عذاب الله الذي يشملهم إذا جاء ، ومن الساعةالتي تأتيهم فجأة في الوقت الذي هم لا يشعرون ( الآيات : 105 - 107 ) . ولكن الرسول يدعوهم إلى سبيل واضحة هي الدعوة إلى الله على بصيرة ورؤية واضحة له ولمن يتبعه ، وهي بصيرة توحيد الله وتنزيهه عن أي نوع من أنواع الشرك ( الآية : 108 ) .