السيد محمد تقي المدرسي
35
مقاصد السور في القرآن الكريم
عن الله ، ولكن إياك أن تنظر إلى السماوات كأنها أشياء ثابتة جامدة جاهلة . كلا ؛ بل باعتبارها حقائق تسبح بحمد الله خالقها ، وتسجد لهيمنة ربها . لماذا اسم الأنعام ؟ إن سورة الأنعام هي مثل كل سور القرآن التي تشع بنور التوحيد ، وتنساب في ضمير الإنسان بضياء الإيمان بالله ، ولكنها لم تُسم باسم مجرد . فلم يكن اسمها مثلًا ؛ سورة الحي القيوم ، أو سورة الصمد الأحد ، أو سورة القدوس الأعلى ، أو سورة الحمد والتسبيح . . كلا ؛ بل سميت بسورة الأنعام . الأنعام التي يضرب الله بها مثل الغباء ، ويعتقد الإنسان أنها لا تعني شيئاً في حقل الإيمان والعرفان ، مع ذلك سمى الله هذه السورة باسم الأنعام ليجعلنا نغير نظرتنا إلى الأنعام ، ونعرف أنها نعمة من نعم الله ، وأنها بالتالي تهدينا إلى الله من جهة ، وتفرض علينا من جهة مسؤولية معينة ، وهي تلك المسؤولية التي يشعر بها المؤمن أمام ربه ، وبذلك يخرج المادة ( وهنا الأنعام مثل لها ) من النظر إليها بنظرة الشيئية دون الالتفات إلى دور المادة في تكامل الروح والعلم والقيم ، كما يخرج بذلك أيضاً الروح والعلم والقيم والإيمان من عالم التجريد والمثالية إلى عالم الحقيقة . جاءت ( الآيات : 1 - 11 ) تحقيقاً للهدف العام لسورة الأنعام الذي هو تنمية روح الإيمان بالله في النفوس وجعله مصباحاً يهدي الإنسان في ظلمات الحياة . . لتفضح الدافع الأساسي لتكذيب الآيات والرسالات ، لعل الإنسان يتذكر بنفس ه ويحاول تطهيرها من شر هذا الدافع الذي هو الاستهزاء بالحق والإعراض عن آياته ، ويعرف أن العلاج الوحيد للمعرضين هو أن يتذكروا مصير المكذبين عبر السير في الأرض . أما ( الآيات : 12 - 16 ) فتؤكد لنا أن أبسط فكرة تقفز إلى ذهن الإنسان حين يلقي نظرة إلى السماوات والأرض هي أنهما مسيّرتان وليستا مختارتين . فإذن هما مملوكتان لله تعالى ، الأمر الذي يفتح أمامه آفاقاً جديدة من العلم الذي سينتج عنه الإيمان . ولما كانت أزمّة الكون بيد الله تعالى ، فعلى ابن آدم أن يعلم بأن الله إذا مسّه بضر فلا