السيد محمد تقي المدرسي

94

بينات من فقه القرآن (سورة النور)

لله سبحانه السلطان التام ، والمشيئة الفعالة . فإليه يتأله المتحيرون ، وبه يستعين المحتاجون . وأبرز حاجات البشر الهداية إلى السبيل القويم . والله هو الذي يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، وهو الذي يزكي من يشاء . فما هي التزكية ، وماذا علينا نحن المخلوقين أن نفعل ؟ . أولًا : علينا أن نصل أنفسنا إلى حقيقة العبودية ، ونتضرع إليه وحده غير مشركين به في دعائنا غيره . وهذه الضراعة هي المعراج إلى درجات السمو ، ومنطلقها تزكية النفس . إن النفس التي تصل إلى هذه المرحلة المتقدمة من التوحيد ، هي التي تفوز - بإذن الله - إلى حيث التزكية . فعلينا أن نجعل دعاءنا كالحريق الذي تحيط به ألسنة اللهب ويرجو النجاة بدعائه ، أو كالغريق الذي تحتوشه أمواج المياه ولا يرجو غير ربه لخلاصه . هكذا أمرنا بالدعاء مثل الغريق . فقد جاء في الدعاء المأثور عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام ، أنه قال : ( . . أَدْعُوكَ دُعَاءَ مَنِ اشْتَدَّتْ فَاقَتُهُ ، وَقَلَّتْ حِيلَتُهُ ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ ، دُعَاءَ الْغَرِيقِ الْغَرِيبِ الْمُضْطَرِّ الَّذِي لَا يَجِدُ لِكَشْفِ مَا هُوَ فِيهِ إِلَّا أَنْتَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ) « 1 » . وروي فيما وعظ الله عز وجل به النبي عيسى عليه السلام ، قال : ( يَا عِيسَى ادْعُنِي دُعَاءَ الْغَرِيقِ الحَزِينِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مُغِيثٌ ) « 2 » . ولعل هذا هو معنى الضراعة حقًا ، حيث يقول ربنا سبحانه : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ

--> ( 1 ) الأصول من الكافي ، ج 2 ، ص 560 . ( 2 ) روضة الكافي ، ج 8 ، ص 138 .