السيد محمد تقي المدرسي
86
بينات من فقه القرآن (سورة النور)
ثانيًا : إنّ من يحب إشاعة الفاحشة فهو لا ينكرها ، وإذا شاعت شملته وشملت أحبته . فمن أحب مثلًا شيوع الزنا ، فإنه معرض لارتكابه أو وقوع محارمه فيه . وهذا نوع من عذاب الدنيا الذي ينتظره . إن مئة ألف من أصحاب السبت عذَّبهم الله في الدنيا - قبل الآخرة - لأن أربعين ألفًا منهم ارتكبوا الصيد الحرام في يوم السبت ، أما الستون ألفًا منهم فلم يتناهوا عنه ، فعمَّهم ربهم بالعذاب . وهكذا فإن مجرد حب إشاعة الفاحشة حرام ، سواءً كان بصورة مباشرة واضحة أم غير مباشرة . مثلًا ؛ من أحب تورط سلطان يعارضه في قتل الناس حتى يفتضح ويسرع إلى السقوط ، أو تمنى لو وقع معارضوه في أخطاء قاتلة أو حتى أحب لو أن الشخص الفلاني الذي يحسده يقع في خطأ فاضح . . إنهم جميعًا ربما انتظرهم العذاب في الدنيا ، ومنه وقوعهم بأنفسهم في تلك المهالك التي تمنوها لغيرهم . والله العالم . 2 - وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ إن سنن الله التي تحيط بنا كثيرة ، ولسنا نعلمها جميعًا . فعلينا ألّا ننكرها بمجرد جهلنا بها ، وإنما علينا أن نسلّم لما بيّنه ربنا لنا . لماذا ؟ . أولًا : لأن غرور العلم كان وراء الكثير من جهالات البشرية عبر التاريخ ، وحسبما ذكره إمام الحكماء أمير المؤمنين عليه السلام : ( مَنْ ادَّعَى مِنْ الْعِلْمِ غَايَتُهُ ، فَقَدْ أَظْهَرَ مِنْ جَهْلِهِ نِهَايتُهُ ) « 1 » .
--> ( 1 ) غرر الحكم ودرر الكلم ، ص 46 ، حكمة رقم : 192 .