الشيخ حسين المظاهري

56

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية

يقدر ، ومن تلك الآيات قوله تعالى : « ذلك ليعلم أنّى لم أخنه بالغيب » « 1 » توضيح ذلك : إنّ اللَّه تعالى أراد أن يخرج يوسف من السّجن وأن يؤتيه الملك والعزّة ، فأرى اللَّهُ الملكَ رؤيا وأعجز المعبّرين عن تأويلها فقالوا : أضغاث أحلام ، ثمّ صاحب يوسف عليه السلام في السّجن ادّكره فطلب منه التعبير ، فعبّرها له ، ولمّا أخبر صاحبه الملكَ بالتعبير ، طلبه لينادمه ، ولكنّه عليه السلام لم يقبل منه ذلك مستدلّاً بأنّ الملك والعزّة لا يلائم التّهمة وسوء الظّن ، ولا محيص عن تنزيه ذيله عن ما نسبته إليه امرأة العزيز ، فقال عليه السلام : « ارجع إلى ربّك فسئله ما بال النّسوة اللّاتى قطّعن أيديهنّ » ؟ « 2 » فقال ذلك من غير أن يعيّن تلك المرأة المعهودة ، فأحضرهنّ الملك فأقررن كلّهنّ بطهارته وصدقه حتّى أنّ امرأة العزيز أقرّت بالذّنب وقالت : « الآن حصحص الحقّ أنا راودته عن نفسه وإنّه لمن الصّادقين » « 3 » فجاء الصّديق إلى الملك وقال : « ذلك ليعلم أنّى لم أخنه بالغيب وأنّ اللَّه لا يهدى كيد الخائنين * وما ابرّئ نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلّاما رحم ربّى إنّ ربّى غفور رحيم » « 4 » يعنى ليس بثّ شكواي إلى الملك وجبرهنّ على الاقرار بذنبهنّ لبغضاء تمكّنت في نفسي ، ولكنّه ليعلم الملك انّى امين لا أخون ما ائتمن عليه ، ثمّ قال بعد ذلك : « قال اجعلني على خزائن الأرض إنّى حفيظ عليم » « 5 » فلم يكن عليه السلام حقوداً بالنسبة اليهنّ مع ما لهنَّ من العداوة معه . كما انّ ما حكاه تعالى من حكايته مع أبيه عليه السلام يدلّ على سلامة نفسه من الحقد ، وانّه لم يكن فيها هذه الرذيلة ولو بالنسبة إلى اخوته الظالمين عليه . قال تعالى : « فلمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء اللَّه

--> ( 1 ) - يوسف / 52 ( 2 ) - يوسف 50 ( 3 ) - / يوسف / 51 ( 4 ) - يوسف / 52 و 53 ( 5 ) - يوسف / 55