الشيخ حسين المظاهري

27

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية

هذا وقد مرّ منا الإشارة مراراً إلى كون الرذائل كالفضائل ذات عرض عريض ، لكلّ مرتبةٍ منها قبحها كما انّ لكل مرتبةٍ من الفضائل حسنها . نعم الرذيلة بما هي رذيلة قبيحة لا يتصور الحسن والخير فيها ولو كان من مراتبها الضعيفة ، فكما لا يعقل تصوّر البرودة من النّار فكذلك لا يعقل تصوّر الحسن والكمال من الرّذيلة . فالغضب مذموم وهو جمرة من نار جهنّم ووسوسة من وساوس الشّيطان فكيف يتوقّع أن يُشمّ منه رائحة نسيم الجنّة ونفس الرّحمن . فما اشتهر بين أصحاب الأخلاق من أنّ لقوّة الغضب مراتب وهي الافراط والتفريط والاعتدال فيه ، فالافراط منه مذموم وهو مورد كلام علماء الأخلاق ، والتّفريط منه مذموم لا من باب الغضب بل بما انّه من باب الجبن والاعتدال منه فضيلة وهو من الشّجاعة ، ليس بسديد لأنّ الغضب نار تشتعل عند الانتقام وحدّة تحصل من الجنون وتغطية العقل ورذيلة مانعة عن التسلّط على النّفس ، إذ الغضبان لا يملك نفسه بخلاف الحليم الّذي يسلّط على نفسه ويملكها ، فتلك الحالة مذمومة افراطاً وتفريطاً واعتدالًا . فربّ حيوان له الحلم وجمعت فيه رذيلة الجبن وفضيلة الحلم وربّ حيوان اجتمع فيه الجبن والغضب ، وقوّة الغضب فيه في مراتبها الأخيرة الشّديدة ، وربّ شجاع له الحلم مع ذلك قد قلع مادة الغضب عن نفسه فهو مع تسلّطه على نفسه له قوّة القلب في المعارك والحروب وهو لا يخاف إلّاربّه . ألا ترى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة خندق إذا هجم على عمرو بن عبدودّ فضربه وأسقطه على الأرض كيف شتمه عمروٌ وأساء بالنسبة اليه ، فهو عليه السلام لم يقتله بل مكث ومدّة ثمّ قتله ، ولمّا سأله رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك أجاب : إنّى خفت أن لا يكون عملي هذا للَّه تعالى بل يخالطه التّشفّى والانتقام إن قتلته حين شتمني وأساء الىَّ .