الشيخ حسين المظاهري

62

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية

تناهى في اعتقاد باطل أو ارتكاب محظور ولا يكون منه تلفّت بوجه إلى الحقّ يورثه ذلك هيئة تمرّنه على استحسان المعاصي وكانّما يختم بذلك على قلبه . وعلى ذلك : أولئك الّذين طبع اللَّه على قلوبهم وسمعهم وابصارهم . وعل هذا النّحو استعارة الاغفال في قوله عزّ وجلّ : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا . واستعارة الكنّ في قوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم اكنّة أن يفقهوه . واستعارة القساوة في قوله تعالى : « وجعلنا قلوبهم قاسية » . « 1 » وجملة القول انّ مثل هذه الآيات كلها قريبة المخرج لها معنى واحد ، لانّ القسوة بمعنى الصّلابة ، والزيغ بمعنى الميل عن الاستقامة ، والرّين بمعنى الصّداء وهو ضدّ الجلاء ، والختم والطّبع بمعنى السّدّ ، والكنّ بمعنى الحجاب ، والغشاوة ايضاً كذلك . وكلّها - كما أشار إليه الرّاغب - كناية وإشارة إلى ميل القلب عن الاستقامة وحصول ملكة الطّغيان له . وهذه الملكة كما صرّح به الذكر الحكيم تحصل بالأفكار الفاسدة والافعال الرّدية ، وهذا هو مرادنا من انّ الافكار والأقوال والافعال توجد بالملكات . وهو واضحٌ . هذا كلّه يتعلّق برذائل الملكات وهذا الحكم يجري في فضائلها أيضاً . وقد صرّح بذلك التنزيل المبين ايضاً في آيات كثيرة ، نورد بعضها هيهنا : « يا أيّها الّذين امَنوا استجيبُوا للَّه‌و لِلرّسول إذا دعاكم لما يحييكم » . « 2 » « أَوَ مَنْ ميتاً فَأَحْيَيْناه وجَعَلْنا لَهُ نوراً يَمْشى به في الناس كمن مَثَلُهُ في الظّلمات ليس بخارج منها كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون » . « 3 » « أفمن شَرَحَ اللَّه صدره للاسلام فهو على نورٍ من ربّهِ فويل للقاسيةِ قلوبهم من ذكر اللَّه أولئك في ضلالٍ مبين » . « 4 » « فمن يرد اللَّهُ أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً

--> ( 1 ) - المفردات ، ص 143 ، ذيل كلمة ختم . ( 2 ) - الأنفال / 24 . ( 3 ) - الانعام / 122 . ( 4 ) - الزّمر / 22 .