الشيخ حسين المظاهري
47
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية
التّوفيق بين الآيات الّتي تخصّ الانسان : انّ للذكر الحكيم لسانين بالنّسبة إلى الإنسان ، لسان المدح من جانبٍ حتّى يعدّه أتمّ وأشرف من سائر المخلوقات كما تشير إليه هذه الآية : « فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين » . « 1 » ولسان الذمّ من جانب آخر حتّى يقول : « والعصر انّ الإنسان لفى خسر » . « 2 » فمن نظر إلى الآية الأولى وأمثالها له أن يقول انّ الإنسان سعيد بالفطرة ، ومن نظر إلى الثّانية وأترابها له أن يقول انّه شقى بالفطرة ، ولكن التّحقيق انّ الإنسان مركّب من الرّوح والجسد ، فهو من حيث الرّوح سعيد في غاية السعادة كما قال تعالى : « ونفس وما سوّيها فألهمها فجورها وتقويها » . « 3 » كما انّه من حيث الجسد شقّي جداً ، قال تعالى : « انّ النّفس لامّارة بالسّوء إلّاما رحم ربّى » . « 4 » وقد جمع اللَّه تعالى جانبي المدح والذّم في آية واحده وهي شاهدة للجمع بين الآيات كلّها وهو قوله تعالى : « لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثمّ رددناه أسفل سافلين » . « 5 » فمن وفقه تعالى وأيّده حتّى سلّط على النّفس الامّارة وروّضها أصبحت تلك النّفس براقاً لمعراجه وهذا سرّ ما يُرى في غالب الآيات الذّامّة للانسان انّه قد استثنى هؤلاء الافراد بقوله تعالى : « إلّاالّذين آمنوا وعملوا الصالحات » « 6 » ومن لم يوفّقه اللَّه ولم يروّض نفسه فيسقط درجة درجة حتّى يصل إلى أسفل سافلين فتشمله هذه الآية : « انّ شرّ الدّوابّ عند اللَّه الصّمّ البكم الّذين لا يعقلون » . « 7 » فللانسان وبفضل التدرّج في المنازل من التّوبة واليقطة والتّخلية والتّحلية والتّجلية أن يصل إلى مقام اللّقاء الّذي جاء ذكره في التنزيل العزيز أكثر من عشرين مرّة . يظهر من القرآن انّ النّظم وهيمنة الإرادة الالهيّة تسود عالم الوجود ، قال تعالى :
--> ( 1 ) - الحجر / 29 . ( 2 ) - العصر / 1 - 3 . ( 3 ) - الشّمس / 7 و 8 . ( 4 ) - يوسف / 53 . ( 5 ) - التّين / 4 و 5 . ( 6 ) - العصر / 3 . ( 7 ) - الأنفال / 22 .