الشيخ حسين المظاهري
445
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية
بيان المعاني وموارد الاستعمالات حتّى نحتاج إلى تدقيق في ذلك . ب - قد ذكر علماء الأخلاق لهذه الفضيلة طرفي افراط وتفريط ثمّ جعلهما من الرّذائل قالوا : ان الافراط من الغيرة هو العصبيّة والتّجسس في البواطن ، وان طرف التفريط منها هو الاهمال في الحفاظ على ما يجب عقلًا أو شرعاً . ولكن هذه الكلام ليس بسديد ، لأن الغيرة والحميّة مقولتان مشكّكتان كما مرّ في أوائل البحث ، لكنّ الشدة والعصبيّة وتجسّس البواطن ليست من مقولة الغيرة ومن مراتبها ، وإن كانت من الملكات أو الافعال الرّذيلة . وسيأتي ذكرها وبيان ما يترتب عليها من المفاسد . نعم قد يستعمل الجاهل بمواقع الأمور تلك الفضيلة في غير محلّها . قال أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته إلى ابنه الإمام المجتبى عليه السلام : « ايّاك والتغابر في غير موضع الغيرة ، فان ذلك يدعوا الصحيحة منهنّ إلى السقم » . « 1 » فترى ان أمير المؤمنين عليه السلام لم ير الشدّه على النساء من مراتب الغيرة ، بل يرى الشدة عليهن من استعمال الغيرة في غير محلّها وليس هو إلّامن فعل الجاهل الخسيس ، فيقال لها تارة التعنّت والشدة وأخرى الغيرة الجاهلية . موجز ما سيأتي ان شاء اللَّه من بيان رذيلة الشدة : ان الشدة من الرّذائل الّتي يترتب عليها مفاسد إذ لا يرى صاحبها شيئاً إلّايخاف منه . فالشدة في الدين هو تحميل ما لا يطاق ، بل ما هو صعب على الناس على نفسه أو على غيره فينتهى إلى المال عنه وقد تنتهى إلى سوء الظّنّ بالدين بل إلى الكفر . قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق ، ولا تكرهوا عبادة
--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 77 ، ص 214 .