الشيخ حسين المظاهري
377
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية
فلذا قال أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء الخضر المشتهر بالكميل : « يا الهي وسيّدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك فيكف اصبر على فراقك وهبني يا الهي صبرت على حرّ نارك فكيف اصبر عن النّظر إلى كرامتك » . فبين الخوفين كمال المباينة إلّاانّهما يجتمعان في عباداللَّه الصّالحين ، فمثل أمير المؤمنين الّذي يخاف اللَّه خوف الخشية كما يخافه خوف الرّهبة ، قال في نفس الدعاء : « اللّهمّ لا أجد لذنوبي غافراً ولا لقبائحي ساتراً ولا لشئ من عملي القبيح بالحسن مبدّلًا غيرك » . الخوف مقول بالتشكيك : ظهر من مطاوي ما ذكرنا انّ الخوف من باب التّشكيك سواء كان خوف الرّهبة أو خوف الخشية ، فالمرتبة الضّعيفة منه حسنة مطلوبة ، وكلّما زاد في شدّته زاد في حسنه ، ولا يعقل فرض التّفريط والافراط فيه . فما اشتهر في كتب الأخلاق من فرض التّفريط والافراط له ، وقيل : انّ افراطه - وهو حدّ القنوط واليأس من رحمته تعالى - مذموم ، ليس بسديد . ضرورة انّ الحدّ الضّعيف منه وهو خوف العوام من سخط اللَّه تعالى مطلوب ، لانّه يمنع عن الالتفات إلى غير اللَّه فضلًا عن مخالفة أوامره تعالى واجبة كانت أو مستحبّة ، ونواهيه محرّمة كانت أو مكروهة . وليس معنى العصمة إلّاالخوف الشّديد من اللَّه تعالى الحاصل من العلم بأسمائه وصفاته ومن المعرفة بها على منتهى مراتبها البشريّة . والأدعية المأثورة منهم كدعاء كميل وأبي حمزة وعرفة ، تنشأ من هذا الخوف اي خوف الرّهبة تارة وخوف الخشية أخرى . وامّا القنوط واليأس من رحمة اللَّه تعالى فلا ينشأ من الخوف الشّديد ، بل من عدم الرّجاء . وسيأتي ان شاء اللَّه تعالى الكلام في انّه يجب الرّجاء مع الخوف والخوف مع الرّجاء وانّ أحدهما من دون الاخر نقص يجب رفعه فوجودهما متلازمان تلازمَ القرآن والعترة .