الشيخ حسين المظاهري

366

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية

تعريف الشّجاعة ومعنى الشّجاعة قوّة القلب وهي مقولة بالتّشكيك فالمرتبة الضّعيفة منها مطلوبة والرّتبة الشّديدة منها اشدّ مطلوباً منها ، فليس مرتبة منها ضعيفة كانت أو شديدة غير مطلوبة . فلا يتصوّر فيها طرفا تفريط وافراط . فما قيل من انّ تفريطها هو الجبن وهو من الرّذائل وانّ افراطها هو التّهوّر وهو من الرّذائل ايضاً ليس بسديد ، لانّ التّهوّر ليس افراط الشّجاعة ، بل انّه من مقولة الفعل لا من مقولة الصّفات . وانّ الجبن عدم قوّة القلب ، فهو ايضاً ليس تفريط الشّجاعة ، بل انّه من باب العدم والملكة لا من باب الصّفات . توضيح ذلك : انّ التّهوّر بمعنى السّقوط ، كما لوبنى بنّاءٌ على أرض رخوةٍ لا قرار لها ، فالعامل تهوّر في عمله ، والبِناء متهوَّر . قال تعالى : « أفمن اسّس بنيانه على تقوى من اللَّه ورضوان خير امّن اسّس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم واللَّه لا يهدى القوم الظّالمين » . « 1 » فمن استعمل قوّته القلبيّة في غير محلّها الّذي لم يقرّ عليه العقلاء يقال له المتهوّر ، كمن جعل نفسه في معرض التّهلكة وكمن يدنو إلى الأسد أو إلى العدوّ من غير سلاح وبلا داع عقلائي أو شرعي . قال تعالى : « ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة » . « 2 » فالتّهوّر من الافعال المذمومة لا من رذائل الصّفات ، فهو من القبائح العقليّة والمحرمات الشّرعيّة لا من الرّذائل الخُلقيّة . كما انّ الجبن بمعنى ضعف القلب ، فمن ليس بشجاع ذيقوة القلب يقال له الجبان ، فالجبن ليس بأمر وجودي حتّى يقال انّه من الافعال أو الصّفات أو يقال انّه تفريط الشّجاعة . نعم من كان جباناً فهو محروم عن كثير من النّعم ويصيبه كثير من النّقم فلو لم تحرم إلّا

--> ( 1 ) - التوبة / 109 . ( 2 ) - البقرة / 195 .