الشيخ حسين المظاهري
296
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية
والمراد انّ عوام النّاس يعتقدون انّ اللَّه هو الواحد والواجب ليس إلّاهو ، إلّاانّهم يرون الممكنات والموجودات من الذّرّة إلى الدرّة بعينٍ تشير إلى استقلالها . ولكنّ الخواصّ يعتقدون انّ هذا شرك بل ليس في الدّار غيره ديّار ، وما يشاهد من ظواهر الموجودات فهو كسراب بقيعة يحسبه الظّمأن ماء ، وانّها اعدام يحسبها الجاهل موجودات ذوات حقيقةٍ ، فلولا قيّوميّة الحقّ تعالى لما كان للملك والملكوت عين ولا أثر ولا خبر . فالموجودات كلّها فقر محض وتدلّى صرف ، وإلى هذا أشار تعالى بقوله : « وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السّموات والأرض » . « 1 » والمراد « بملكوت السّموات والأرض » هو السّموات والأرض من جهة انتسابهما إلى اللَّه تعالى . وجيئت بالواو والتّاء في « الملكوت » مبالغة ليُفهِم انّ إبراهيم عليه السلام رأى قيّوميّة الحقّ تعالى للأشياء كلّها ، ويرى انّ الأشياء فقر محض وتدلّى صرف ، بل اعدام على صورة الموجود . فللّه درّ من أنشد : بصحرا بنگرم صحرا تو بينم * به دريا بنگرم دريا تو بينم بهر جا بنگرم كوه ودر ودشت * نشان از قامت رعنا تو بينم واخصّ الخواصّ يعتقدون انّ هذا ايضاً فيه رائحةٌ من الشّرك ، لانّه وان رأى الأشياء اعداماً على صورة الموجود إلّاانّ رؤية الأشياء لا تنعدم بعد ، فهو يرى انّ الأشياء اعدام وفقر وتدلّى فالتّوحيد الخالص هو لمن لا يرى في عالم الكون إلّااللَّه تعالى . وهو ما وصل إليه إبراهيم عليه السلام وحكاه عنه الذّكر الحكيم بقوله : « انّى وجهّت وجهي للّذى فطر السّموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين » . « 2 »
--> ( 1 ) - الانعام / 75 . ( 2 ) - الانعام / 79 .