الشيخ حسين المظاهري (مترجم: خالد توفيق)

49

اليوم الآخر

والأرجل التي سيستفيد منها جميعا في حياته الجديدة . وبعد ذلك نستطيع تطوير المثال لنجد انّ الطفل الذي يستوي عوده بعد الولادة فيبلغ مرحلة النضج والرشد ، أودعت فيه أشياء من المتيقن انّها لم تخلق لهذا العالم ، ومن جملة ذلك ميله الفطري نحو حياة أبدية خالدة . من هذه الزاوية بالذات نجد انّ من يعتقد بأنّ الموت فناء وعدم ، يخاف الموت ويستوحشه ، وذلك بعكس من يتطلّع إلى الحياة الخالدة بعد الموت ، ويعتبر الموت مجرّد جسر إلى الحياة الأخرى . ومن بين ما يوجد في الإنسان ممّا لم يخلق لحياته الدنيا ، هو تطلّعه الدائم نحو لذّة من دون أن يرافقها ألم ، وشراب لا تقارنه غصّة . والشيء الأكيد انّ الحياة الدنيا لا تحتمل الجمع بين طرفي الأمنية . فالحياة الدنيا تحفل بالتداخلات والاختلفات ، ولن يكون مقدار الإنسان أن يحيا فيها حياة اجتماعية متكافلة مندون أن يضحي ببعض رغباته ويحول دون الكثير من ميوله . نرى على سبيل المثال ، انّ الإنسان في سعيه نحو تشكيل الأسرة وانجاب الأطفال يحقّق لنفسه ضربا من اللّذة والاستقرار ، ولكن ثمّة وجه آخر لهذه الحقيقة ، يتمثّل بألوان الصعوبات التي يتكبّدها ، والمشاكل التي يعاني منها ، حتى ذهب علماء النفس إلى انّ تربية طفل واحد تربية سليمة صحيحة تكلّف الوالدين زهرة شبابهما . إذن ليس في الحياة الدنيا أمن واستقرار مطلقا ، ولا ينعم فيها الإنسان بالصحّة والسلامة الكاملة ، فلذّتها قرينة الألم ، وهي منقطعة ليست دائمة . نتبّين من ذلك انّ قوى الإنسا وميوله وغرائزه لا تنحصر جميعها ولا تحدّ في هذه الدنيا ، وانّ استعدادات الإنسان لا تتحوّل بتمامها في هذه الدنيا ، من مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعل ؛ وبالتالي نصل إلى حقيقة وجود عالم آخر ( بالضرورة ) ، أبدي وخالد لا تقترن لذّته بالألم ولا شرابه بالغصّة « 1 » .

--> ( 1 ) للارتباط بالدنيا انعكاسات خطيرة على حياة الإنسان ومصيره ، فقد جاء في الحديث الشريف : « من تعلّق قلبه بالدنيا تعلّق منها بثلاث خصال : همّ لا ينفى ، وأمل لا يدرك ، ورجاء لا ينال » . الخصال ، ج 1 ، ص 88 . [ المترجم ] .