الشيخ علي الكوراني العاملي

74

مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي

أمَد قال تعالى : تَوَدُّ لَوْ إن بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيداً « آل عمران : 30 » . الأمد والأبَد : يتقاربان ، لكن الأبَد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود ولا تتقيد لا يقال أبَدُ كذا . والأمد مدةٌ لها حدٌّ مجهول إذا أطلق ، وقد ينحصر نحو أن يقال : أمَدُ كذا ، كما يقال زَمَانُ كذا . والفرق بين الزمان والأمد : أن الأمد يقال باعتبار الغاية ، والزمان عام في المبدأ والغاية . ولذلك قال بعضهم : المدى والأمد يتقاربان . ملاحظات لا بد أن يكون معنى قوله : والأمد مدةٌ لها حدٌّ مجهول ، أنه غايةٌ لمدة من الوقت غير محددة . قال الخليل « 8 / 89 » : « الأمد : منتهى كل شئ وآخره » . وقال ابن فارس « 1 / 137 » : « الأمد : الغاية . كلمة واحدة لا يقاس عليها » . وقال أبو هلال / 71 : « يكون الأمد ظرفاً من الزمان والمكان ، فالزمان قوله تعالى : فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ . والمكان قوله تعالى : تَوَدُّ لَوْ إن بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيداً » . وقد ورد الأمد في ثلاث آيات أخرى لم يذكرها الراغب : أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا . قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَاتُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً . وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ . ومعنى طول الأمد : أنهم تركوا في فترةٍ من الرسل . أمَرَ الأَمْرُ : الشأن وجمعه أُمُور . ومصدر أمرته : إذا كلفته أن يفعل شيئاً . وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها ، وعلى ذلك قوله تعالى : إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كلهُ « هود : 123 » . وقال : قُلْ إن الْأَمْرَ كلهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ، يَقُولُونَ : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَئٌ « آل عمران : 154 » أَمْرُهُ إِلَى الله « البقرة : 275 » ويقال للإبداع أمر ، نحو : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ « الأعراف : 54 » . ويختص ذلك ب الله تعالى دون الخلائق . وقد حمل على ذلك قوله تعالى : وَأَوْحَى فِي كل سَماءٍ أَمْرَها . « فصلت : 12 » وعلى ذلك حمل الحكماء قوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « الإسراء : 85 » أي من إبداعه . وقوله : إنما قَوْلُنا لِشَئْ ٍإِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « النحل : 40 » فإشارة إلى إبداعه ، وعُبر عنه بأقصر لفظة وأبلغ ما يتقدم فيه فيما بيننا بفعل الشئ . وعلى ذلك قوله : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ « القمر : 50 » فعبر عن سرعة إيجاده بأسرع ما يدركه وهمنا . والأمر : التقدم بالشئ سواء كان ذلك بقولهم : إفعل وليفعل ، أو كان ذلك بلفظ خبر نحو : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ « البقرة : 228 » أو كان بإشارة أو غير ذلك . ألا ترى أنه قد سمَّى ما رأى إبراهيم في المنام من ذبح ابنه أمراً ، حيث قال : إني أَرى فِي الْمَنامِ إني أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ « الصافات : 102 » فسمى ما رآه في المنام من تعاطي الذبح أمراً . وقوله تعالى : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ « هود : 97 » فعامٌّ في أقواله وأفعاله . وقوله : أَتى أَمْرُ الله « النحل : 1 » إشارة إلى القيامة ، فذكره بأعم الألفاظ . وقوله : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً « يوسف : 18 » أي ماتأمر النفس الأمارة بالسوء . وقيل : أَمِرَ القومُ : كثروا ، وذلك لأن القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير من حيث إنهم لا بد لهم من سائس يسوسهم ، ولذلك قال الشاعر :