الشيخ علي الكوراني العاملي
737
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
حيث إنه وصفهم بعد العلم بها ، والوقوف على صحتها بأنهم يَهْزَؤُونَ بها ، يقال : هَزِئْتُ به واسْتَهْزَأْتُ . والإسْتِهْزَاءُ : ارتياد الْهُزُؤِ وإن كان قد يعبر به عن تعاطي الهزؤ ، كالإستجابة في كونها ارتياداً للإجابة ، وإن كان قد يجري مجرى الإجابة . قال تعالى : قُلْ أَبِ الله وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ « التوبة : 65 » وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ « هود : 8 » ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ « الحجر : 11 » إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ الله يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها « النساء : 140 » وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ « الأنعام : 10 » . والِاسْتِهْزَاءُ من الله : في الحقيقة لا يصح ، كما لا يصح من الله اللهو واللعب ، تعالى الله عنه . وقوله : الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ « البقرة : 15 » أي يجازيهم جزاء الهزؤ . ومعناه : أنه أمهلهم مدة ثم أخذهم مغافصة ، فسمى إمهاله إياهم استهزاء من حيث إنهم اغتروا به اغترارهم بالهزؤ ، فيكون ذلك كالإستدراج من حيث لا يعلمون ، أو لأنهم استهزؤوا فعرف ذلك منهم ، فصار كأنه يهزأ بهم كما قيل : من خدعك وفطنت له ولم تعرفه فاحترزت منه فقد خدعته . وقد روي : إن المُسْتَهْزِئِينَ في الدنيا يفتح لهم باب من الجنة فيسرعون نحوه فإذا انتهوا إليه سد عليهم فذلك قوله : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ « المطففين : 34 » وعلى هذه الوجوه قوله عز وجل : سَخِرَ الله مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « التوبة : 79 » . ملاحظات العجبُ من الراغب ، فقد رأى آيات القرآن في الهزء والمستهزئين ، ورأى عامة اللغويين يُعَرِّفُونه بالسخرية ، ومع ذلك عرفه بالمزح وشبه المزح وقيده بالخُفية ، فقال : « الهُزْءُ مزحٌ في خفية ، وقد يقال لما هو كالمزح » ! والصحيح أن الاستهزاء والهزء بمعنى السخرية ، ويكون بالقول والفعل ، في المزح والجد ، خفيةً أو علناً . والظاهرأن الفرق بينهما أن السخرية أكثر ما تستعمل لذات الشخص ، والاستهزاء للعمل أو العقيدة والفكر . لقوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . هَزَمَ أصل الهَزْمِ : غمز الشئ اليابس حتى ينحطم كَهَزْمِ الشن ، وهَزْمِ القِثَّاء والبطيخ ، ومنه الهَزِيمَةُ لأنه كما يعبر عنه بذلك يعبر عنه بالحطم والكسر . قال تعالى : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله « البقرة : 251 » جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ « ص : 11 » وأصابته هَازِمَةُ الدهر ، أي كاسرة كقولهم : فاقرة . وهَزَمَ الرعد : تكسر صوته . والْمِهْزَامُ : عود يجعل الصبيان في رأسه ناراً فيلعبون به ، كأنهم يَهْزِمُونَ به الصبيان . ويقولون للرجل الطبع : هَزَمَ واهْتَزَمَ . ملاحظات ذكر كبار أئمة اللغة كالخليل والجوهري وابن فارس ، أن الَهزْمَ : أن تغمز شيئاً فينهزم في جوفه كما تغمز الشن أي القِربة فتنغمز ، أو البطيخ فينغمز ، فهذه الخسفة التي تحدث فيه تسمى الهَزْمَة . قال الخليل « 4 / 16 » : « الهزم : غمزك الشئ تهزمه بيدك فينهزم في جوفه . والهزمة : ما تطامن من الأرض » . أي ما انخفض كالحفرة . وقال ابن منظور « 12 / 608 » : « والهَزْمةُ : ما تَطامَن من الأَرض . وفي الحديث : إذا عَرَّسْتُمْ فاجتنبوا هَزْمَ الأَرضِ فإنها مأوَى الهوامِّ . . وجاء في الحديث في زمزم : إنها هَزْمةُ جبريلَ عليه السلام أَي ضربَ برجلِه فانخفض المكان فنبَعَ الماءُ » . وقصدهم بذلك الهزيمة أخذت من ذلك ، فكأن الهازم خسف المهزوم فانخسف بذلك .