الشيخ علي الكوراني العاملي
630
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ، أي كافاً لهم عن المعاصي . لكن كافة أداة عموم متمحضة في ذلك ، ولا علاقة لها بفعل كفَّ . فأين معنى الكف في قولك : أُحِبُّكُمْ كافَّة ، وكتب إليهم كافَّة ، وخلق الله الناس كافَّة . بل لا يقصد بها إلا تعميم الخبر والحكم . نعم ، قد يكون المقصود من تقديم لفظها في قوله تعالى : إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ، أن تشير إلى الفعل ، لكنه معنى إضافي إلى معناها الأصلي . كَفَتَ الكَفْتُ : القبض والجمع . قال تعالى : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً « المرسلات : 25 » أي تجمع الناس أحياءهم وأمواتهم . وقيل : معناه تضم الأحياء التي هي الإنسان والحيوانات والنبات ، والأموات التي هي الجمادات من الأرض والماء وغير ذلك . والكِفَاتُ : قيل هو الطيران السريع وحقيقته قبض الجناح للطيران كما قال : أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ « الملك : 19 » فالقبض هاهناكالكفات هناك . والكَفْتُ : السَّوْق الشديد . واستعمال الكفت في سوْق الإبل كاستعمال القبض فيه ، كقولهم : قبض الراعي الإبل ، وراعي قبضة ، وكَفَتَ الله فلاناً إلى نفسه ، كقولهم : قبضه . وفي الحديث : إكْفِتُوا صبيانكم بالليل . ملاحظات 1 . لم ترد مادة كَفَتَ إلا في هذه الآية ، وكفاتاً اسم مصدر ، صفةٌ للأرض التي أعدت موضعاً لهذه العملية ، من خلق آدم وحواء من ترابها ، وتنسيلهما فيها ، والموت والدفن والبعث والنشور منها . وتجد عناصر الكفات هذه في استعمال المادة في العربية ، قال الخليل « 5 / 340 » : « تكفته فينكفت ، أي يرجع راجعاً . وكفات الأرض : ظهرها للأحياء وبطنها للأموات » . وقال الجوهري « 1 / 263 » : « كفتُّ الشئ أكفتُه كَفتاً ، إذا ضممته إلى نفسك . والكفات : الموضع الذي يكفت فيه شئ ، أي يضم . ومنه قوله تعالى : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا » . ونحوه ابن فارس : 5 / 190 . وقال ابن منظور « 2 / 78 » : « الكَفِيتُ : القُوتُ من العَيْش ، وقيل ما يُقِيمُ العَيْشَ . والكِفاتُ : الموضعُ الذي يُضَمُّ فيه الشئُ ويُقْبَضُ . يُريد تَكْفِتُهم أَحياءً على ظَهْرها في دُورهم ومَنازلهم وتَكْفِتُهم أَمواتاً في بَطْنها أَي تَحْفَظُهم وتُحْرِزهم ، ونَصَبَ أَحياءً وأَمواتاً بوُقُوع الكِفاتِ عليه ، كأَنك قلت : أَلم نجعل الأَرضَ كِفاتَ أَحياءٍ وأَمواتٍ . فإِذا نَوَّنْتَ ، نَصَبْتَ . وفي الحديث : يقول الله عز وجل للكرام الكاتبين : إِذا مَرِضَ عَبْدي فاكْتُبوا له مِثْل ما كان يَعْمَلُ في صِحَّته ، حتى أُعافِيَه أَو أَكْفِتَه ، أَي أَضُمَّه إِلى القبر . وهذا جِرابٌ كَفِيتٌ إِذا كان لا يُضَيِّعُ شيئاً مما يُجْعَل فيه . وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله أَنه قال : إكْفِتُوا صبيانَكم فإِن للشيطان خَطْفةً . قال أَبو عبيد : يعني ضُمُّوهم إِليكم ، واحْبِسُوهم في البيوت ، يريد عند انْتِشار الظلام » . 2 . أعرب المفسرون أحياءً وأمواتاً ، بالنصب على الحال أو التمييز ، ولا يصح ، لأن الحال والتمييز يعنيان أن الفعل مسلط على حالة أو نوع فقط ، كما تقول جاء راكباً أو رأيت خمسة عشر رجلاً أو ديناراً . والكفت هنا شامل لكل الحالات . كما أن نصبه على المفعول ضعيف ، لأن المعنى ليس كَفَتَ الأحياء والأموات ، بل المعنى أن الأرض كفات للناس في كل حالاتهم أحياءً أو أمواتاً ، فهو من نوع قولك : ائتني بكل ما تجده صغيراً أو كبيراً . وأجدر بهذا النوع أن يكون منصوباً مستقلاً لم يستقرؤه النحاة ،