الشيخ علي الكوراني العاملي

467

مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي

وإلى الكفار وإن كان بين الضَّلَالَيْنِ بون بعيد ، ألا ترى أنه قال في النبي صلى الله عليه وآله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى « الضحى : 7 » أي غير مهتد لما سيق إليك من النبوة . وقال في يعقوب : إنكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ « يوسف : 95 » وقال أولاده : إن أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ « يوسف : 8 » إشارة إلى شغفه بيوسف وشوقه إليه ، وكذلك : قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ « يوسف : 30 » وقال عن موسى عليه السلام : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ « الشعراء : 20 » تنبيهٌ [ على ] أن ذلك منه سهوٌ . وقوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما « البقرة : 282 » أي تنسى ، وذلك من النسيان الموضوع عن الإنسان . والضَّلَالُ : من وجه آخر ، ضربان : ضَلَالٌ في العلوم النظرية ، كالضَّلَالِ في معرفة الله ووحدانيته ، ومعرفة النبوة ، ونحوهما المشار إليهما بقوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً « النساء : 136 » . وضَلَالٌ في العلوم العملية ، كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات . والضَّلَالُ البعيدُ : إشارةٌ إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدم من قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله « النساء : 136 » وقوله : إن الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً « النساء : 167 » وكقوله : فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ « سبأ : 8 » أي في عقوبة الضَّلَالِ البعيدِ ، وعلى ذلك قوله : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ « الملك : 9 » قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ « المائدة : 77 » . وقوله : أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ « السجدة : 10 » كناية عن الموت واستحالة البدن . وقوله : وَلَا الضَّالِّينَ « الفاتحة : 7 » فقد قيل : عني بِالضَّالِّينَ النصارى . وقوله : فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبي وَلا يَنْسى « طه : 52 » أي لا يَضِلُّ عن ربي ، ولا يَضِلُّ ربي عنه : أي لا يغفله . وقوله : أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ « الفيل : 2 » أي في باطل وإِضْلَالٍ لأنفسهم . والإِضْلَالُ ضربان ، أحدهما : أن يكون سببه الضَّلَالُ ، وذلك على وجهين : إما بأن يَضِلَّ عنك الشئ كقولك : أَضْلَلْتُ البعيرَ ، أي ضَلَّ عني ، وإما أن تحكم بِضَلَالِهِ . والضَّلَالُ في هذين سبب الإِضْلَالِ . والضرب الثاني : أن يكون الإِضْلَالُ سبباً لِلضَّلَالِ ، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليَضِلَّ كقوله : لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ « النساء : 113 » أي يتحرون أفعالاً يقصدون بها أن تَضِلَّ ، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضَلَالُ أنفسِهِم . وقال عن الشيطان : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ « النساء : 119 » وقال في الشيطان : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً « يس : 62 » وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً « النساء : 60 » وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله « ص : 26 » . وإِضْلَالُ الله تعالى للإنسان على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون سببُهُ الضَّلَالَ ، وهو أن يَضِلَّ الإنسانُ فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة ، وذلك إِضْلَالٌ هو حق وعدلٌ ، فالحكم على الضَّالِّ بضَلَالِهِ والعدول به عن طريق الجنة إلى النار عدل وحق . والثاني من إِضْلَالِ الله : هو أن الله تعالى وضع جبلة الإنسان على هيئة إذا راعى طريقاً محموداً كان أو مذموماً ، ألفه واستطابه ولزمه ، وتعذر صرفه وانصرافه عنه ، ويصير ذلك كالطبع الذي يأبى على الناقل ، ولذلك قيل : العادة طبع ثان . وهذه القوة في الإنسان فعل إلهيّ . وإذا كان كذلك ، وقد ذكر في غير هذا الموضع أن كل شئ يكون سبباً في وقوع فعل ، صح نسبة ذلك الفعل إليه ،