الشيخ علي الكوراني العاملي
439
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
صَبَرَ الصَّبْرُ : الإمساك في ضيق ، يقال : صَبَرْتُ الدابة : حبستها بلا علف . وصَبَرْتُ فلاناً : خلفته خلفة لا خروج له منها . والصَّبْرُ : حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع ، أو عما يقتضيان حبسها عنه ، فَالصَّبْرُ لفظ عامٌّ ، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه ، فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبراً لا غير ويُضَادُّهُ الجزع ، وإن كان في محاربة سمي شجاعة ويضادُّه الجبن ، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر ، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتماناً ويضاده الإذاعة . وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبراً ، ونبه عليه بقوله : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ « البقرة : 177 » وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ « الحج : 35 » وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ « الأحزاب : 35 » . وسمي الصوم صبراً لكونه كالنوع له ، وقال عليه السلام : صيام شهر الصَّبْرِ وثلاثة أيام في كل شهر يذهب وَجْرَ الصدر . وقوله تعالى : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ « البقرة : 175 » قال أبو عبيدة : إن ذلك لغة بمعنى الجرأة ، واحتج بقول أعرابيٍّ قال لخصمه : ما أَصْبَرَكَ على الله ، وهذا تصور مجاز بصورة حقيقة ، لأن ذلك معناه : ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك ، وإلى هذا يعود قول من قال : ما أبقاهم على النار ، وقول من قال : ما أعملهم بعمل أهل النار ، وذلك أنه قد يوصف بالصبر من لا صبر له في الحقيقة اعتباراً بحال الناظر إليه ، واستعمال التعجب في مثله اعتباراً بالخلق لا بالخالق . وقوله تعالى : إصْبِرُوا وَصابِرُوا « آل عمران : 200 » أي إحبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا أهواءكم . وقوله : وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ « مريم : 65 » أي تحمل الصبر بجهدك وقوله : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا « الفرقان : 75 » أي بما تحملوا من الصبر في الوصول إلى مرضاة الله . وقوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ « يوسف : 18 » معناه : الأمر والحث على ذلك . والصَّبُورُ : القادر على الصبر ، والصَّبَّارُ يقال : إذا كان فيه ضرب من التكلف والمجاهدة ، قال : إن فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكل صَبَّارٍ شَكُورٍ « الشورى : 33 » . ويعبر عن الانتظار بالصبر لمَّا كان حق الانتظار أن لا ينفك عن الصبر ، بل هو نوع من الصبر قال : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ « الطور : 48 » أي انتظر حكمه لك على الكافرين . ملاحظات 1 . عرَّف الراغب الصبر بتعريفين : الإمساك في ضيق ، وحبس النفس على مقتضى الشرع ، وجعله ضد الجزع . وعَرَّفَه الخليل بأنه : نقيض الجزع . ومع أن تعريف الخليل بالنقيض ، لكنه لا يرد عليه إشكال كما يرد على تعريفي الراغب ، فهما من جهة متفاوتان بينهما عموم من وجه ، ومن جهة كلاهما أخص من الصبر ، فعلى الأول لا يكون الصابر برضاً بدون ضيق صابراً ، وعلى الثاني لا صبر لغير الملتزم بالشرع ، وقد قال الله تعالى : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ . 2 . لم يستوف استعمال القرآن للصبر ، وجعل صَابِرُوا مثل إصْبِرُوا ، مع أنها تصبير الآخرين . وفسر آية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، بالحثٌّ على الصبر ، وفسرها الأئمة عليهم السلام بصبر لاشكوى معه . الخ . 3 . استعمل القرآن هذه المادة نحو مائة مرة ، وأمر بالصبر ، واعتبره قيمة عليا ضرورية للإيمان ، وقال النبي صلى الله عليه وآله إن الصبر من الإيمان بمنزلته الرأس من الجسد ! وشملت استعمالاته : صبر الأنبياء : ، والصبر أمام المشاكل والأمراض والمعارك ، في البأساء والضراء وحين البأس ، والقدوات من الصابرين ، وحب الله لهم ،