الشيخ علي الكوراني العاملي
421
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
قال تعالى : لِكل جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً « المائدة : 48 » . فذلك إشارة إلى أمرين ، أحدهما : ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود إلى مصالح العباد وعمارة البلاد ، وذلك المشار إليه بقوله : وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا « الزخرف : 32 » . الثاني : ما قيض له من الدين وأمره به ليتحراه اختياراً ، مما تختلف فيه الشرائع ، ويعترضه النسخ ، ودل عليه قوله : ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها « الجاثية : 18 » . قال ابن عباس : الشِّرْعَةُ ما ورد به القرآن ، والمنهاج ما ورد به السنة . وقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً « الشورى : 13 » فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل ، فلا يصح عليها النسخ كمعرفة الله تعالى : ونحو ذلك من نحو ما دلَّ عليه قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ « النساء : 136 » . قال بعضهم : سميت الشَّرِيعَةُ شَرِيعَةً تشبيهاً بشريعة الماء ، من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة رُوِيَ وتطهر . قال : وأعني بالريِّ ما قال بعض الحكماء : كنت أشرب فلا أروى ، فلما عرفت الله تعالى رويت بلا شرب . وبالتطهر ما قال تعالى : إنما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً « الأحزاب : 33 » . وقوله تعالى : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً « الأعراف : 163 » جمع شارع . وشَارِعَةُ الطريق : جمعها شَوَارِعُ ، وأَشْرَعْتُ الرمح قبله ، وقيل : شَرَعْتُهُ فهو مَشْرُوعٌ . وشَرَعْتُ السفينة : جعلت لها شراعاً ينقذها ، وهم في هذا الأمر شَرْعٌ ، أي سواء ، أي يَشْرَعُونَ فيه شروعاً واحداً . وشَرْعُك من رَجُلٍ زيدٌ : كقولك حَسْبُك ، أي هو الذي تَشرع في أمره ، أو تشرع به في أمرك . والشِّرْعُ : خص بما يشرع من الأوتار على العود . ملاحظات وردت مادة شَرَع في القرآن خمس مرات ، وعرفه الراغب : بنهج الطريق الواضح ، لكنه مأخوذ من شريعة الماء ، نعم يسمى الطريق إليها شريعة أيضاً . قال الخليل « 1 / 252 » : « شرع الوارد الماء شرعاً فهو شارع . والشريعة والمشرعة موضع على شاطئ البحر « النهر » أو في البحر يُهيأ لشرب الدواب ، والجميع الشرائع والمشارع . والشريعة والشرائع : ما شرع الله للعباد من أمر الدين ، وأمرهم بالتمسك به من الصلاة والصوم والحج وشبهه ، وهي الشرعة » . وقال ابن فارس « 3 / 262 » : « أصل واحد وهو شئ يفتح في امتداد يكون فيه . من ذلك الشريعة وهي مورد الشاربة الماء . واشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة قال الله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا . وقال سبحانه : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ . ويقال أشرعت طريقاً إذا أنفذته وفتحته ، وشرعت أيضاً » . وقال ابن منظور « 8 / 175 » : « والشَّريعةُ والشِّراعُ والمَشْرَعةُ : المواضعُ التي يُنْحَدر إِلى الماء منها ، قال الليث : وبها سمي ما شَرَعَ الله للعبادِ شَريعةً » . فاتضح أن الشريعة تطلق على شريعة الماء وعلى طريقها ، فهي الطريق الموصلة إلى المنهل ، وهي المنهل نفسه . ثم نقل الراغب تفسير أحد المتصوفة أن الشريعة هي ورود الحقيقة والرِّيُّ والتطهر . ثم نقل أنهم بتطهرهم بالشريعة يصلون إلى درجة تطهير الله تعالى لأهل البيت عليهم السلام . وهذا سرقةٌ لمقام خص الله به عترة رسوله صلى الله عليه وآله فطهرهم من كل ذنب وعيب ، أعطاه الراغب لمن يزعمون أنهم أصحاب مقامات !