الشيخ علي الكوراني العاملي
283
سيرة أمير المؤمنين ( ع )
وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت : مَن القوم ؟ قالوا : بنو ناجية . قالت : بخ بخ سيوف أبطحية قرشية ، فجالدوا جلاداً يتفادى منه ! فكأنما أشعلت فيهم من الحماسة ناراً تلظى ، وتتابع حملة اللواء على خطام جملها مستميتين . . وما زالت تستفز حميتهم حتى عقر الجمل وكانت الهزيمة بإذن الله . ولولاعناية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ساعتئذ في حفظها ، ووقوفه بنفسه على صونها ، لكان ما كان مما أعاذها الله منه ، في هذه الفتنة العمياء التي شقت عصا المسلمين إلى يوم الدين ، وعلى أسسها كانت صفين والنهروان ومأساة كربلا وما بعدها . حتى نكبة فلسطين ، في عصرنا هذا . لكن أخا النبي وأبا سبطيه ( عليه السلام ) وقف على الجمل بنفسه ، حين أطفئت الفتنة بعقره ، وما أن هوى بالهودج حتى آواه وفيه عائشة إلى وارف من ظله منيع ، وجعل معها أخاها محمداً ليقوم بمهامها في نسوة من الصالحات ، ومَنَّ على محاربيه وتفضل عليهم ، وأطلق الأسرى من أعدائه الألداء ، واختص عائشة من الكرامة بكل ما يناسب خلقه الكريم ، وفضله العميم ، وحكمته البالغة . وهذا كله معلوم بحكم الضرورة من كتب السير والأخبار . هذا ، وقد كانت أم المؤمنين من أعلم الناس بأن علياً ( عليه السلام ) أخو رسولالله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ووليه ووارثه ووصيه ، وأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، وأنه منه بمنزلة هارون من موسى إلا في النبوة ، وقد سمعت رسولالله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله . اللهم ارحم علياً ، اللهم أدر الحق معه حيث دار . وقد شهدت حجة الوداع مع رسولالله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فرأته يوم الموقف يشيد بفضله آمراً أمته بالتمسك بثقليه تارة ، وبخصوص علي أخرى ، منذراً بضلال من لم يأخذ بهما معاً . ويوم الغدير رأته ( ( عليهما السلام ) ) وقد رقى منبر الحدائج يعهد إلى علي عهده ويوليه على الأمة بعده ، بمسمع ومنظر من تلك الألوف المؤلفة قافلة من حجة الوداع ، حيث تفترق بهم الطرق إلى بلادهم ) .