الشيخ علي الكوراني العاملي
614
سيرة أمير المؤمنين ( ع )
14 . سياسة علي ( عليه السلام ) المتميزة في القضاء 1 . كان النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقضي بين الناس بنفسه في المدينة ، وكان يرسل الولاة إلى البلاد والنواحي ، لكنه لم يرسل أحداً قاضياً أبداً إلا علياً ( عليه السلام ) أرسله إلى اليمن ليقضي بينهم وعلمه أصول القضاء ، ووضع يده على صدره ودعا له ، فأعطاه الله علم القضاء . والسبب فيه أن القضاء شرعاً محصور بالنبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ووصيه ( عليه السلام ) ، فلا بد أن يكون بمباشرتهما أو بإشرافهما ، وإلا لم يكن شرعياً ! وعندما واجهت السلطة بعد النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فراغاً في القضاء ، أشاعت أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أرسل معاذ بن جبل قاضياً إلى اليمن ، وسترى أن روايته مكذوبة وأن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) إنما أرسله جابياً إلى السكاسك أو نجران ، وليس والياً أو قاضياً في اليمن . قال السيد اليزدي في العروة الوثقى ( 6 / 419 ) : ( يظهر من الآيات والأخبار أنّ منصب القضاء مختصٌّ بالنبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) والأئمة ( عليهم السلام ) كقوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا . وقوله تعالى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَئٍْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ . ثم استعرض الرواىات التي تحصر القضاء فيالمعصوم ( عليه السلام ) والمجتهد الذي نصبه المعصوم ( عليه السلام ) . وبهذا لاىكون لقضاة الخلافة القرشىة شرعىة ، ولاىجوز الترافع إلىهم الا من باب الضرورة . 2 . أشاعت السلطة أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أرسل معاذاً إلى اليمن قاضياً وضخمت روايته ، فرواها بخاري في صحيحه مرات ( 2 / 108 ) لكنه لم يقل قاضياً قال : ( بعث معاذاً إلى اليمن فقال : أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات . . الخ . ) . وكذا في رواية بخاري الأخرى ( 8 / 164 ) قال : ( ابن عباس يقول لما بعث النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) معاذاً نحو اليمن قال له : إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن