الشيخ علي الكوراني العاملي

202

سيرة أمير المؤمنين ( ع )

والحامض ما كثر تعجبي منه ، ثم قدم لوناً ما أدري ما هو ، فقلت ما هذا ؟ قال : مصارين البط محشوة بمخاخ العصافير قد قليَ بدهن الفستق وذُرَّ عليه الطبرزد ، فبكيت ، فقال ما يبكيك ؟ قلت : ذكرت علياً ، بينا أنا عنده فحضروقت إفطاره فسألني المقام ، إذ دعا بجراب مختوم ، قلت : ما في الجراب ؟ قال : سويق شعير ، قلت خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به ؟ قال : لا ولا أحدهما ، ولكني خفت أن يَلِتَّهُ الحسن والحسين بسمن أو زيت . قلت : محرم هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ولكن يجب على أئمة الحق أن يعتدوا أنفسهم من ضعفة الناس ، لئلا يٌطغي بالفقير فقره ! قال معاوية : ذكرتَ من لا ينكر فضله ) . أي : ينبغي للحاكم أن يكون مأكله ومعيشته كفقراء شعبه ، فإن أراد رفع مستوى معيشته ، فليرفع مستواهم ! صارت يَنْبُع بلد علي وأهل البيت ( عليهم السلام ) : فقد أسسها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكان يتردد إليها ، ولما حاصرالمسلمون عثمان كانوا يهتفون باسم علي ( عليه السلام ) مطالبين بعزل عثمان ومبايعته مكانه ! فأرسل إليه عثمان أن يذهب إلى أرضه بينبع ، ويغيب عن المدينة حتى لا يهتف الناس باسمه ، فذهب ! ثم أرسل إليه أن يأتي لمساعدته فأتى ، ثم أرسل إليه أن يذهب ثانية : ( إلى ماله بينبع ليقلَّ هَتْفُ الناس باسمه للخلافة ، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل ، فقال ( عليه السلام ) : يا ابن عباس ، ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب أقبل وأدبر ! بعث إليَّ أن أخرج ، ثم بعث إلي أن أقدم ، ثم هوالآن يبعث إلي أن أخرج ! والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً ) ! ( نهج البلاغة : 2 / 233 ) . ولكنه ( عليه السلام ) استجاب أخيراً وذهب إلى ينبع ، ثم أرسل له عثمان لما ضاق الأمر عليه أن يحضرلمساعدته . وروي أنه خرج في المرة الثانىة إلى ماله بوادي القرى . ثم كانت ينبع بيد الحسن والحسين ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ثم بيد الأئمة من أولادهم ( عليهم السلام ) وبيد غير الأئمة من ذريتهم . وكثرت ذرية علي وفاطمة ( ( صلى الله عليه وآله ) ) في ينبع فكانوا فيها قبائل حسنية وحسينية ، وفيهم العلماء والحكام ، ولهم فيها تاريخ طويل في عصور الإسلام المختلفة ، وما زالت فيها منهم بقية ، بعد أن زال حكمهم ، واضطر أكثرهم إلى مغادرتها بعد