الشيخ محمد إسحاق الفياض

450

المباحث الأصولية

فإذا فرضنا أن أحد الخطابين المتزاحمين متقدم زمنا على الخطاب الآخر ، فالمعروف والمشهور بين الأصوليين ترجيح المتقدم زمنا على المتأخر كذلك ، وقد أفادوا في وجه ذلك أن الخطاب المتقدم فعلي منجز حكماً وملاكاً ، فإذا كان كذلك ، فلا يكون للمكلف عذر في تركه ، بينما لا يكون الخطاب المتأخر فعلياً منجزاً حكماً وملاكاً . ولهذا ، فيجب عليه الإتيان بالواجب السابق ، ولا يجوز له الحفاظ على قدرته لكي يصرفها في امتثال الواجب اللاحق في ظرفه ، لأنه يستلزم تفويت الواجب السابق بماله من الملاك ، بينما إذا صرف قدرته في امتثال الواجب السابق عجز عن امتثال الواجب المتأخر في ظرفه ، فيكون فوته فيه مستنداً إلى عجزه لا إلى صرف قدرته على امتثال الواجب ، فإنه في زمان صرفه لها على امتثاله لا يكون ملاك الواجب اللاحق فعلياً ومنجزاً ، فإنه انما يكون فعلياً ومنجزاً في ظرفه ، والمفروض أنه في ظرفه عاجز عنه هذا . ولكن الصحيح أن مجرد الأسبقية لا تصلح أن تكون مرجحة في نفسها وبقطع النظر عن جهات أخرى كالأهمية ، أو كون الواجب السابق مشروطاً بالقدرة العقلية ، والواجب اللاحق مشروطاً بالقدرة الشرعية . بيان ذلك ، أن الخطابين المتزاحمين لا يخلوان إما أن يكونا مشروطين بالقدرة العقلية ، أو مشروطين بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث وهو القدرة التكوينية ، أو مشروطين بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني ، وهو عدم الاشتغال بالواجب الأخر المضاد له ، أو مشروطين بالقدرة الشرعية بالمعنى الأول وهو المانع المولوي . أما الفرض الأول ، فملاك كلا الواجبين تام في ظرفه ، فكما لا يجوز تفويت الملاك الواجب المتقدم زماناً ، فكذلك لا يجوز تفويت الملاك المتأخر في ظرفه ،