الشيخ محمد إسحاق الفياض
28
المباحث الأصولية
ومن ناحية ثالثة أن الامارات بذاتها كاشفة عن الواقع بدرجة من الكاشفية ، بينما الأصول العملية ليست كذلك ، وهذه الدرجة من الكاشفية هي المنشأ والملاك لجعل الحجية لها ، سوءا أكانت الحجية بمعنى جعل الطريقية والعلم التعبدي أو بمعنى المنجزية والمعذرية أو بمعنى جعل الحكم الظاهري ، وليس الفرق بينهما بالاعتبار والجعل كما هو ظاهر مدرسة المحقق النائيني قدس سره ، بل الجعل والاعتبار في طول هذا الفرق ، لأن جعل الطريقية والعلمية لأخبار الثقة وظواهر الألفاظ لا يمكن أن يكون جزافاً وبلا مبرر وملاك ، والملاك فيه هو درجة كاشفيتها الذاتية عن الواقع . ومن هنا يظهر أن ما ذكره شيخنا الأنصاري « 1 » قدس سره من أن الاحتمال المتساوي للطرفين لا يصلح ان يجعله أمارة ، لأن الامارية لا يمكن أن تكون بالجعل والاعتبار ، لوضوح أن ما ليس بأمارة ذاتاً وتكويناً ، فلا معنى لجعلها امارة بل هو مجرد لقلقة لسان فلا دور ولا تأثير له في الخارج بلحاظ أنه أمر اعتباري ، ولا واقع موضوعي له إلا في عالم الاعتبار والذهن . وأما الاعتراض عليه ، بأنه لا مانع من جعل الاحتمال المتساوي للطرفين أمارة ، إذ المقصود من جعله أمارة ليس جعله كاشفاً حقيقياً بل جعله كاشفاً تعبدياً ، فلا يرجع إلى معنى محصل ، ضرورة أنه إن أريد بجعل الاحتمال أمارة مجرد الاعتبار والجعل في عالم الذهن ، فيرد عليه أنه مجرد اعتبار لا دور ولا تأثير له أصلًا فيكون لغواً ، وان أريد به انه يؤثر في ترجيح هذا الاحتمال على الاحتمال الآخر ، فيرد عليه انه يستحيل ان
--> ( 1 ) - فرائد الأصول ج 2 ص 375 .