الشيخ محمد إسحاق الفياض
270
المباحث الأصولية
الطائفة الثالثة : قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ « 1 » وتقريب الاستدلال به هو انه يدل على وجوب الاتقاء لله بالمقدار المستطاع ، ومن الواضح ان الاجتناب عن الشبهات التحريمية مصداق للتقوى ، فإذا كان مصداقاً له فهو واجب . والجواب ، ان الأمر في الآية المباركة تعلق بالتقوى المفروغ عنه في المرتبة السابقة ، وله مراتب ودرجات وبعضها واجب وبعضها مستحب ، فكما ان الاتيان بالواجب مصداق للتقوى فكذلك الاتيان بالمستحب ، وعليه فالأمر به في الآية المباركة أمر ارشادي وهو تابع للمرشد اليه في اللزوم وعدمه ، فإن كان التقوى واجباً في المرتبة السابقة كما في موارد العلم بالواجبات والمحرمات تفصيلًا أو اجمالًا أو في الشبهات الحكمية قبل الفحص ، فالأمر به وجوبي ، وأما في الشبهات الحكمية بعد الفحص ، فحيث إن المؤمن عن احتمال العقاب فيها موجود وهو قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فلا يكون هناك منجز ولا يكون الاحتياط فيها واجباً ، نعم هو محبوب ومستحب ، فمن هذه الجهة يكون مصداقاً للتقوى . وعلى هذا فالتقوى في موارد العلم التفصيلي بالأحكام الشرعية اللزومية والعلم الاجمالي بها والاحتمال في الشبهات الحكمية قبل الفحص واجب ، وأما في موارد الاحتمال في الشبهات الحكمية بعد الفحص فإنه غير واجب ، والأمر بالتقوى في الآية ارشاد إلى التقوى بدون الدلالة على الوجوب أو الاستحباب ، لأنه تابع للمرشد اليه في المرتبة السابقة ، ومن هنا
--> ( 1 ) - سورة التغابن ، الآية 16 .