الشيخ محمد إسحاق الفياض

82

المباحث الأصولية

وبكلمة واضحة ، قد تقدم ان منشأ سيرة العقلاء لا يخلو من أن تكون المرتكزات الذهنية التي تمتد جذورها في أعماق نفوسهم أو النكات العقلائية الارتكازية التي هي كامنة في نفس ما قامت السيرة عليه . وأما في المقام ، فالسيرة العقلائية الجارية على العمل بظواهر الالفاظ ، فيكون منشائها النكتة الارتكازية الكامنة في نفس ظواهر الالفاظ ، وهي أنها أقرب إلى الواقع نوعاً من غيرها كظواهر الافعال وأقوى كشفا ، وهذه النكتة هي المنشأ لبناء العقلاء وسيرتهم على العمل بظواهر الكتاب والسنة دون غيرها ، وهذه السيرة قد أصبحت في أذهانهم كالجبلة والفطرة الثانوية . وعلى هذا فالناس منذ زمن البعثة والتشريع يعملون بهذه السيرة حسب جبلتهم وفطرتهم ، غاية الأمر ان المتشرعة كانوا يستندون عملهم بها إلى الشرع أيضاً ، فلو كانت هذه السيرة والطريقة المألوفة بين العقلاء في باب المولويات خاطئة وخطراً على الاغراض الشرعية ، فلا يمكن ان يسكت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عن ردعها ، باعتبار انه شارع ومرسل من قبل الله تعالى لارشاد الناس إلى الطريق المستقيم وتصحيح أخطائهم ، بل يقوم بردعها بشتى الوسائل والطرق وفي كل مناسبة حتى تقلع جذورها عن الأذهان ، هذا وحده لا يكفي ، بل على الشارع اختراع طريقة أخرى للإفادة والاستفادة والتفهيم والتفهم من النصوص التشريعية كالكتاب والسنة بعد المنع عن العمل بظهورها . ومن الواضح ان الشارع لو اخترع طريقة أخرى للإفادة والاستفادة والتفهيم والتفهم من النصوص التشريعية على خلاف الطريقة العقلائية المألوفة والمرتكزة لدى الناس ، لكانت حادثة فريدة من نوعها وغريبة ، باعتبار أنها كانت على خلاف مواقف العقلاء وتقاليدهم المرتكزة ولانعكست في الكتب والتواريخ