الشيخ محمد إسحاق الفياض
389
المباحث الأصولية
هذا المبنى خاطئ ، فإن سكوته صلى الله عليه وآله في أول البعثة لا يكشف عن الإمضاء ، إذ من المحتمل قوياً ان يكون سكوته صلى الله عليه وآله من جهة عدم نزول الوحي عليه بالردع أو الإمضاء ، باعتبار انه صلى الله عليه وآله ( لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى ) ، كما أن سكوته صلى الله عليه وآله في أول البعثة عن كثير من المحرمات ، لا يدل على الامضاء بل هو من جهة عدم نزول الوحي عليه بتحريمها . فالنتيجة : ان الحكم الإمضائي كالحكم التأسيسي لابد ان يكون بوحي من الله تعالى . ولكن هذه المناقشة قابلة للنقد ، وذلك لان مثل هذه السيرة الثابتة في أعماق نفوس الناس كافة كالجبلة والفطرة لو كانت مخالفة للأغراض التشريعية وخطراً عليها ، فبطبيعة الحال لا يمكن سكوت الشرع في مقابلها ، بمعنى ان الله تعالى لا محالة أوحى نبيه بردع الناس عن العمل بها ، باعتبار ان الله يرى أنها خطر على شريعته الغراء ، فإذن لا يعقل فرض كون السيرة المذكورة خطراً على الأغراض التشريعية وأهدافها النبيلة ، ومع ذلك لم يأمر الله تعالى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بالردع عنها ، أو فقل أن هذه الشريعة شريعة الهية ، فإذا فرض ان السيرة المذكورة خطر عليها ، فكيف يمكن فرض السكوت وعدم أمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بالردع عنها . فالصحيح في المسألة ان يقال ، ان المقام ليس من صغريات الكبرى المتقدمة ، لان الصغرى لهذه الكبرى إنما هي متمثلة في الخاص اللفظي المتقدم زمناً على العام كذلك ، وعندئذٍ فيقع التعارض بين ظهور الخاص في العموم الازماني وظهور العام في العموم الأفرادي ، ويدور الأمر بين تقديم الخاص على العام وتخصيصه به تطبيقاً لقاعدة حمل العام على الخاص ، وبين تقديم العام المتأخر على الخاص المتقدم وجعله ناسخاً له ، وفي مثل ذلك يقدم ظهور الخاص في العموم الازماني