الشيخ محمد إسحاق الفياض

315

المباحث الأصولية

فيكون النذر من مقدمات وجوبه ، ولا معنى للأمر بإيجاد شرط وجوب شيء ثم تعليله به ، وظاهر التعليل في الآية الكريمة ، هو ان تحذرهم مطلوب في نفسه وبقطع النظر عن الانذار ، بمعنى ان الانذار ليس هو سبب التنجيز ووجوب التحذر ، بل التنجيز ووجوب التحذر ثابت مطلقاً والانذار مما يساعد على وقوعه في الخارج ، حيث إنه يكون منبها ومؤكداً لتحريهم إلى العمل وتخوفهم مما يترتب على مخالفة الواقع من العقوبة « 1 » هذا . ويمكن المناقشة فيه ، إذ لا شبهة في أن الآية المباركة ظاهرة في أن منشأ التحذر والخوف النفسي هو انذار المنذر واخباره بالواقع ، لا انه حاصل في النفس ، والآية المباركة مؤكدة له ، لوضوح ان قوله تعالى : ( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ظاهر عرفاً في أن الانذار هو السبب والمنشأ للتحذر ، لا انه ثابت في نفسه ومطلقاً سواء أكان هناك انذار أم لا ، ولا يقاس الآية الكريمة بالمثال الذي ذكره قدس سره ، هو قولك ( أنذر لكي تفي بنذرك ) ، فإن هذا التعليل فيه غير صحيح ، إذ لا معنى للأمر بايجاد شرط لوجوب شيء ثم تعليله به ، كما في المثال ، فإنه لا يصح الأمر بالنذر بغاية وجوب الوفاء به ، ضرورة أن وجوب الوفاء بالنذر لا يصلح ان يكون علة للأمر به بل هو متفرع عليه ، باعتبار ان النذر من مقدمات وجوب الوفاء به لا من مقدمات وجوده ، بينما يصح ان يكون انذار المنذر في الآية الكريمة سبباً لوجوب الحذر ظاهراً ، لوضوح ان الآية ظاهرة عرفاً في أن الانذار هو السبب لوجوب تحذر القوم وتخوفهم الظاهري ، لا أنه ثابت في نفسه وبقطع النظر عن انذار المنذرين ، ويكون انذارهم من مقدمات وجوده لا وجوبه ، لان حمل الآية على ذلك خلاف الظاهر .

--> ( 1 ) بحوث في علم الأصول ج 4 : ص 375 .