الشيخ محمد إسحاق الفياض

280

المباحث الأصولية

وأما المثال الثاني ، فلأن الظاهر من روايات تروك الاحرام الناهية عن الارتماس والتظليل والصيد والجماع والنظر بشهوة إلى غير ذلك هو حرمة هذه الأشياء على المحرم لا أن تركها واجب عليه ، والوجه في ذلك هو أنّ هذه النواهي لا تخلو من أن تكون نواهي إرشادية ، فمفادها الارشاد إلى مانعية الأشياء المذكورة عن الاحرام وفي نهاية المطاف عن العمرة والحج ، أو نواهي مولوية تكليفية فيكون مفادها حرمة تلك الأشياء على المحرم ، والأول غير محتمل لأنه خلاف الضرورة الفقهية ، حيث لا شبهة في عدم بطلان الحج والعمرة بإرتكابها وإن كان عامداً وملتفتاً إلى عدم جوازه إلا الجماع إذا كان قبل السعي في العمرة وقبل الوقوف بالمزدلفة في الحج ، فإذن يتعين الاحتمال الثاني وهو كون هذه النواهي ، نواهي مولوية تكليفية ومفادها حرمة الأشياء المذكورة على المحرم بدون ارتباطها بالحج والعمرة . فالنتيجة ، إنّ هذين المثالين ليسا من أمثلة كون الواجب هو الترك . الثالث : إنه إذا فرض عدم تعدد النهي بتعدد أفراد متعلقه بأن يكون مفاد لا تشرب الخمر مثلًا حرمة واحدة كما هو الحال في الأمر المتعلق بالطبيعة ، لأن مفاده وجوب واحد ، وعلى هذا فهل هناك فرق بين هذا النهي والأمر أو لا ؟ والجواب : إن هناك فرقاً بينهما في كيفية الامتثال ، فإن امتثال الأمر ممكن بإتيان فرد واحد من أفراد الطبيعة ، وأما عصيانه فلا يمكن إلّا بترك تمام أفراد الطبيعية المأمور بها ، وأما النهي المتعلق بالطبيعة فلا يمكن امتثاله إلا بترك هذه الطبيعة ، ومن الواضح إنّ تركها لا يتحقق إلّا بترك تمام أفرادها بنحو العموم الاستغراقي ولايكتفي اجتناب بعضها والاتيان ببعضها الآخر ، لأنه في هذه الحالة فقد عصى النهي ولم يمتثله ، والنكتة في ذلك هي أنّ مفاد النهي المتعلق بها الزجر