الشيخ محمد إسحاق الفياض

258

المباحث الأصولية

[ اختيار النظرية الثالثة ] الدعوى الثانية : أما صحة النظرية الثالثة ، فلأنها تنسجم مع النّهي في مرحلة المبادي ومرحلة الجعل معاً ، أما إنسجامها مع مرحلة المبادي فلما تقدم من أن النهي ناشيء عن مفسدة ملزمة في الفعل ، ومن الطبيعي إنّ تلك المفسدة فيه‌تدعو المولى إلى جعل حكم له مناسب لها وهو حرمته على المكلف وزجره عن‌ارتكابه ، والجامع إنها تدعو المولى إلى تحريمه عليه ، وأما الطلب المتعلق بالترك فهو لا يمكن أن يكون ناشئاً منها ، لأنه لو كان مجعولًا من قبل الشارع فلامحالة يكون الداعي إلى جعله ما هو في متعلقه من المصلحة ، فإنها تدعو إلى إيجابه وطلبه لا المفسدة في الفعل ، فإنها تدعو إلى حرمته وزجر المكلف عنه لا إلىطلب تركه . فالنتيجة ، إنّ ملاك النهي في مرحلة المبادي ينسجم مع هذه النظرية دون نظرية طلب الترك ، وأما إنسجامها مع مرحلة الجعل ، فقد ظهر إنّ المجعول فيباب النهي هو الحرمة والزجر باعتبار أن روحها وحقيقتها المفسدة في مرحلة المبادي وقد مرّ إنها تقتضي ذلك . والخلاصة : إنّ هذه النظرية وليدة ملاك النهي في مرحلة المبادي ، لوضوح إنّ اتصاف الفعل بالمفسدة يدعو إلى جعل الحرمة له وزجر المكلف عنه ، كما إنّ اتصاف الفعل بالمصلحة يدعو إلى جعل الوجوب له والبعث نحوه ، هذا في مقام الثبوت . وأما في مقام الاثبات فحيث إن المتفاهم العرفي الارتكازي من النهي فيه هوالحرمة والزجر لا غيرها فيكون مطابقاً لمقام الثبوت . والخلاصة : إنه على ضوء هذه النظرية يكون النهي مبايناً للأمر في تمام مراحله أي من مرحلة المبادي إلى مرحلة الامتثال ، أما في مرحلة المبادي فلأن