الشيخ محمد إسحاق الفياض

186

المباحث الأصولية

العدلين شرطاً لاتصاف الآخر بالملاك في مرحلة المبادي ، فحينئذٍ إذا ترك المكلف كليهما معاً باختياره ، فحيث إنه تحقق به شرط اتصاف كل منهما بالملاك فعلًا فقد فوت على المولى كلا الملاكين الفعليين ، مع أن بإمكانه أن لا يفوت عليه شيء منهما ، كما إذا أتى بأحدهما ترك الآخر ، فإنه استوفى بذلك أحد الملاكين ، وأما الملاك الآخر فقد فات منه بفوت موضوعه وشرطه لا بتفويته ، وهذا بخلاف ما إذا ترك كلا العدلين معاً ، فإنه بذلك حيث يتصف كل منهما بالملاك فعلًامن جهة فعلية شرطه ، فيكون تفويت كل من الملاكين مستنداً إليه فيستحق عقابين ، وأما إذا كان ترك كل من العدلين شرط لترتب الملاك على الآخر فيمرحلة الامتثال ، فعندئذٍ إذا ترك كلا العدلين معاً كان ترك أحد الملاكين مستنداً إليه ، وأما ترك الملاك الآخر فهو قهري وغير مستند إليه ، فإذا أتى المكلف بالصوم مثلًا فقد استوفى ملاكه القائم به ، وأما ترك الملاك القائم بالاطعام فهو أمرقهري وخارج عن اختياره ، لأنّه غير قادر على استيفائه وإن أتى به بعد الصوم لمكان المضادة بينهما ، فإذا ترك الصوم والاطعام معاً ، كان ترك أحد الملاكين مستنداً إلى اختياره ، وأما ترك الملاك الآخر فهو حاصل قهراً ، فإذن ليس‌بإمكانه استيفاء كلا الملاكين معاً لوجود المضادة بينهما ، وعلى هذا فإذا ترك كلا العدلين معاً لم يستحق إلا عقاباً واحداً . والصحيح في ردّ هذه الفرضية أن يقال أولًا : إن افتراض التضاد بين الملاكات المترتبة على الواجبات الشرعيّة من دون التضاد بينها فرض ملحق بأنياب الأغوال كما ذكره السيد الأستاذ قدس سره ، وقد تقدم ذلك في ضمن البحوث السالفة ، وقلنا هناك إنه لا يصح قياس الآثار والنتائج المترتبة على الأفعال الاعتيادية الخارجية في حياتنا اليومية بالآثار والنتائج المترتبة على الواجبات الشرعية ، وذلك للفرق بينهما ، لأن علاقة الإنسان بالأولى علاقة مادية بينما تكون علاقته