ابن عربي
39
الفتوحات المكية ( ط . ج )
المقدمة السفر السادس من كتاب « الفتوحات المكية » للشيخ محيي الدين بن عربي ، مخصص بكامله لبيان « الصلاة » من الجانب الفقهي الحكمي ، ومن الجانب الصوفي الروحي . وسوف يخصص ابن عربي ، أيضاً ، السفرين الآتيين من موسوعته العلمية الكبرى ، السفر السابع والسفر الثامن ، لهذا الموضوع ذاته . واهتمام شيخنا ب « الصلاة » و « معرفة أسرارها » من بين سائر العبادات الشرعية ، على هذا النحو الواضح ، هو اهتمام ديني واهتمام فلسفي ، في آن واحد . ف « الصلاة » ، من الناحية الدينية المحضة ، هي « عماد الدين : من أقامها فقد أقام الدين ، ومن تركها فقد هدم الدين » ، كما ورد ذلك في بعض المأثورات النبوية . وهى أيضاً ، من الوجهة الشرعية ، تلى « الشهادتين » مباشرة ، حيث يلج المرء بهما إلى حظيرة قدس الإسلام وينخرط بفضلها في سلك جماعة الموحدين المؤمنين . كما أن « الصلاة » ، في أدائها حق الأداء ، هي مظهر الانسجام التام بين الإنسان وخالقه ، وبين الإنسان ونفسه . وهذا هو الجانب الفلسفي الأصيل لهذه الشعيرة الخالدة . فعندما يصلى المرء ، إنه بفعله الجميل هذا يعترف بمبدع الكون ورب الوجود ، ويعرب عن حاجته وفاقته إليه ، وعن حبه الدفين له ؛ ويوقن في الوقت نفسه ( ويجب عليه أن يوقن من أعماق كيانه ومن سائر أقطار ذاته ) بعطف الله عليه ، ورحمته وبره به ، وحبه الشامل واللا نهائي له . وهذا الموقف الخاص الذي تحدده لنا « شعيرة الصلاة » وتعيننا على إدراكه ، هو ، بالنسبة إلى الإنسان ، الذي يشفى المعنى السامي على وجوده ، وهو الذي يحقق الباعث النبيل لنشاطه ، وهو الذي يعطى الأمل الحلو لحياته . وبالنسبة إلى الله - سبحانه ! - هذا الموقف عينه ، هو الذي يكشف لنا عن ذات الألوهية المقدسة ، في غناها السرمدي المطلق ؛ من حيث هي محبة وحبيبة ومحبوبة ؛ ويطلعنا على الشوق الدفين في « الكنز المخفى » لكمال الظهور والإظهار ، وكمال الوجود والإيجاد .