الشيخ محمد إسحاق الفياض

317

المباحث الأصولية

والجواب : أما عن التقريب الأول فلأن حقيقة الاستعمال ليست افناء اللفظ في المعنى واتحاده معه ، وذلك لأن إفناء اللفظ في المعنى واندكاكه فيه في نفسه لا يرجع إلى معنى محصل ، لأنه إن أريد بالافناء الافناء حقيقة وعينا ، فيرد عليه أنه غير معقول لا في عالم الخارج ولا في عالم اللحاظ ، لأن اللفظ مباين للمعنى في كلا العالمين ، فلا تعقل الوحدة والعينية بينهما . هذا إضافة إلى أن ذلك لا ينسجم مع حقيقة الاستعمال ، لأنها تتطلب المغايرة بين اللفظ المستعمل والمعنى المستعمل فيه والدال والمدلول والحاكي والمحكي . وإن أريد به الافناء تنزيلا ، بمعنى أن المستعمل ينظر إلى المعنى بنظرة اللفظ ويراه برؤيته ، على أساس أن المفني فيه يرى برؤية الفاني ، فيرد عليه : أولا : أنه خلاف الضرورة والوجدان ، لأن توجه المتكلم في مقام الاستعمال منصب على المعنى ، ويكون اللفظ مغفولا عنه ، وكذلك توجه السامع ، ففرض أن التوجه منصب على اللفظ باعتبار أن المعنى يرى برؤيته خلاف الوجدان . وثانيا : أن مرآتية اللفظ بنحو يرى المعنى برؤيته غير معقولة بدون اعتبار الوحدة والعينية بينهما . فالنتيجة : أنه لا يمكن تفسير الاستعمال بالافناء بهذا المعنى . وأما التقريب الثاني فيرد عليه ما تقدم من أن لحاظ الآلية والمرآتية للفظ في مقام الاستعمال ليس من مقوماته ، وإن كان طبع الاستعمال يتطلب ذلك ، إلّا أن استعماله بدون هذا بمكان من الإمكان . وأما اقتضاء طبع الاستعمال ذلك فإنما هو على أساس أن اللفظ وسيلة حكائية عن المعنى وأداة لاحضاره ، ومن الطبيعي أن النظر إليه كوسيلة وأداة آلي طبعا ، كما هو الحال في الأدوات الخارجية ، ولكن