الشيخ محمد إسحاق الفياض
305
المباحث الأصولية
والخلاصة : أنه لا شبهة في أن الغرض من الاعتبار الوضعي سببية هذا الاعتبار لإيجاد الملازمة بين صورة اللفظ وصورة المعنى ، وإلّا فلا أثر للمعتبر بهذا الاعتبار لا شرعا ولا عرفا طالما لم تتحقق الملازمة بينهما ، فإذا تحققت فهي منشأ صحة الاستعمال ، سواء أجعل اللفظ في حال الاستعمال مرآة للمعنى أم لا ، فإذن المعيار إنما هو بهذه الملازمة التي هي نتيجة الوضع تكوينا ، لا بكيفية اعتبار الواضع وجعله ، ومن ذلك يظهر أن صحة الاستعمال تدور مدار وجود الملازمة بينهما وعدم وجودها ، لا مدار أنها تطبيق فعلي للوضع . إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة ، وهي أن حقيقة الاستعمال ليست جعل اللفظ علامة على المعنى حتى على القول بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية . والصحيح أن حقيقة الاستعمال تمثل لحاظ اللفظ آلة للمعنى ومرآة له طبعا ، بدون أن يكون ذلك اللحاظ من مقوماته ، ومن هنا يكون بإمكان كل من المستعمل والسامع أن ينظر إلى اللفظ بما له من الخصوصية كنظرته إلى المعنى ، بأن يكون نظره منصبا إلى كل منهما ، لا إلى خصوص المعنى ، ولكن ذلك بحاجة إلى عناية زائدة ، وإلّا فطبع المطلب يقتضي كون النظر منصبا إلى المعنى دون اللفظ ، فيكون اللفظ بما له من الخصوصية مغفول عنه . والنكتة في ذلك أن استخدام الألفاظ لنقل المعاني والأفكار إلى الآخرين انما هو كوسيلة حكائية بديلا عن الوسائل الطبيعية البدائية ، كالإشارات وتقليد الأصوات وإراءة الصور ، على أساس أن الانسان لما تطور فكريا واجتماعيا وتطور نمط حياته وأصبح أكثر عمقا وسعة ، لم يكف استخدام الوسائل البدائية المسماة بالمنبهات التكوينية ، فلذلك التجأ إلى استخدام الوسائل الأكثر تطورا